أضف تعليق

وداعاً مخيّم اليرموك!

 

في حوار على وسائل التواصل الاجتماعي، قال فلسطيني من مخيّم اليرموك متسائلاً: “يا جماعة! هذا مخيم اليرموك أليس هو ذاته من احتلته العصابات المسلحة من النظام من غير قصف ومن غير أن تهبّط بيتاً من بيوته؟ ومن دون أن تحتلّه غدراً؟”.. ومن بعد أن يسرد بعض التفاصيل، يستأنف الرجل تساؤلاته الحيرى: “ثمّ، ألم تتمكن وحدات الأكناف [بيت المقدس] من طرد جبهة النصرة واحتلت مواقعها من دون أن تهبّط بيتاً واحداً؟ ثم حين رجعت النصرة وداعش واحتلا المخيم، طردا الأكناف والفصائل المتحالفة معها من دون تهبيط أي بيت من بيوت المخيم. لماذا إذن فقط النظام وإيران وروسيا لا يستطيعون انتزاع المخيم من دون تهبيطه كلّه فوق رؤوس المدنيين الباقين فيه؟”.

Yarmouk 2

حملة “التطهير” 2018

فلسطينيو مخيم اليرموك الذين كانوا من أوائل من اختبروا حصار “الجوع أو الركوع” الشهير منذ نحو خمس سنوات، يطرحون هذا التساؤل الذي يندرج تحت إطار اللامعقول السوري، معبّراً عن حالة يعجز فيها السوريون المتابعون للأخبار عن الإجابة عن تساؤلات منطقية بسيطة، وعن تصوّر ما يجري، ناهيك عن إدراجه في إطار سردية معقولة متكاملة يمكنها شرح ما جرى وما يجري وما المقصود من عملية التدمير واسعة النطاق التي يتعرّض لها مخيّم اليرموك.

Yarmouk 1

حملة الجوع أو الركوع 2013 – 2014

ومخيّم اليرموك هذا، الذي يبعد عن فلسطين بضع عشرات الكيلومترات، كان يمثّل النقيض الوجوديّ لدولة إسرائيل حتى الثلث الأخير من نيسان (أبريل) 2018، بما يعنيه هذا النقيض من موئل لإنتاج، وإعادة إنتاج، النضال الفلسطيني كلّه. وبما يعنيه من بيئة حاضنة لجميع الفصائل الفلسطينية في جميع حالاتها، صعودها وازدهارها أو انحدارها وانحطاطها. وبما يعنيه هذا النقيض من إيقاد مستمر لشعلة “حقّ العودة”، الحق الأبرز الذي يقضّ مضاجع إسرائيل.

يمكن القول إن العمليات العسكرية والقتالية والتدميرية التي شهدتها مخيمات الفلسطينيين منذ أوائل السبعينات إلى اليوم في لبنان وسورية- بل وفي الضفة وغزة نفسها- لم تكن سوى نموذج تجريبي ناجح لما جرى ويجري في مخيم اليرموك؛ إذ تفيد التقارير القادمة من المخيّم أثناء كتابة هذه المقالة بأن أكثر من 50 بالمئة من مباني مخيم اليرموك قد تمّت تسويته بالأرض، وعن تضرر نحو 20 بالمئة أخرى، بغية “طرد” تنظيم داعش الذي تتراوح أعداد مقاتليه ما بين 150 و200 داعشياً فحسب، ما يشي بأن تسويةً أخرى تمّت على مستويات غير تكتيكية، تقتضي شطب مخيم اليرموك نهائياً وإلى الأبد من الخارطة، وتقضي بالتالي بضرورة استمرار الذرائع اللازمة لذلك. ويؤكّد هذه الظنون الفشلُ الذريع الذي أصاب جهود المصالحات ولجانها، الروسية منها أو السورية بمساعي فريق علي حيدر، وزير المصالحة الذي تلقّى ضربة قاصمة بعد مجريات ما حدث في “دوما”، على خلفية اختفاء أثر نحو 7000 شخص موالٍ كان النظام يروّج أنهم مختطفون ومعتقلون في قبضة جيش الإسلام.

كما تؤكّد هذه الظنون تقارير عن اجتماعٍ “عجيب” عُقد في الحجر الأسود قبل أيام من تدمير المخيّم، وضم قياديين من تنظيم داعش وميليشيات “حزب الله” اللبناني ولواء “أبو الفضل العباس” العراقي، جرى الاتفاق فيه على إيقاف جهود المصالحة، وتقديم بعض الذخيرة وطائرات الاستطلاع البدائية لداعش؛ فضلاً عن تقارير أخرى كانت تتحدث عن تنقلات أمراء داعش علناً وبحريّة ما بين حواجز تلك الميليشيات.

ومن هنا تدور في الذهن تساؤلات أكثر هولاً من تلك التي طرحها الفلسطيني أعلاه. ترى ما المقصود من محو مخيّم اليرموك، أكبر مخيّم للاجئين الفلسطينيين، ليس في سورية فحسب، وليس خارج فلسطين فحسب، بل في كل العالم داخل فلسطين وخارجها؟ هذا المخيم الذي كان حتى ما قبل 2011 يضمّ وفق بعض التقديرات 407 آلاف فلسطيني، ومثلهم من السوريين النازحين وغير النازحين من مناطق القنيطرة والجولان السوري المحتل.

ترى، في ظلّ الزخم العالي لما يقال عن المجابهة إيرانية إسرائيلية مقبلة خلال أسابيع على أرض سورية، هل يأتي شطب المخيّم كدفعة كبرى، تسدّد فيها إيران فاتورة مسبقة مستحقّة لإسرائيل مقابل غض الطرف عن الاستيطان الإيراني المقبل في الغوطة الشرقية؟

تعمل الماكينة الإعلامية للنظام على الإيهام بأن ما يجري في مخيم اليرموك مسألة فلسطينية فلسطينية، معزّزاً دعواه هذه بأن فصائل فلسطينية تسهم في تدمير المخيم، منها مقاتلو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامّة بقيادة أحمد جبريل، ومنها تنظيم فتح الانتفاضة، جماعة أبوموسى، ومنها- لمزيد من السخرية- قوات جيش التحرير الفلسطيني.

ويبقى أن ثمّة رسائل جانبية ترسلها عملية شطب مخيم اليرموك بمئات الغارات وآلاف القذائف، منها أن مصلحة إسرائيل في الوعي الأمريكي الروسي وحتى الممانع تعلو فوق أي مصلحة وتجب مراعاتها سلفاً، ومنها أيضاً أنّ الكيماوي ليس بالضرورة أشرس الأسلحة!

إذن، يمكننا الاطمئنان إلى أن تدمير مخيّم اليرموك وقتْل أبنائه يتمّان بأسلحة غير كيميائية!

وليس بالتجويع وحده تمحى المخيّمات!

 

نشرتها “القدس العربي” اللندنية في 26 نيسان (أبريل) 2018. لقراءة المقالة كما نشرتها “القدس العربي” انقر هنا

لمشاهدة النص كما نشر في “القدس العربي”، انقر هنا.

Advertisements
أضف تعليق

لماذا تحتاج إسرائيل إلى تصعيد تهديداتها ضد إيران، الآن وعلى الفور

2936بقلم: تشاك فريليتش، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي سابقاً، زميل أقدم في مركز بيلفير بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب “الأمن القومي الإسرائيلي: استراتيجية جديدة لعصر يتغيّر”، مطبعة أكسفورد، 2018.

ترجمة: ماهر الجنيدي

تواجه إسرائيل اليوم تهديدين خطيرين قد يتطلبان سريعاً اتخاذ قرارات صعبة، بما يؤدي إلى الحرب. إذ تتزايد في الشمال قوة محور إيران-حزب الله-سورية تحت إشراف روسي، مع تقارير تؤكد محاولة إيران إنشاء قواعد دائمة ومصانع صواريخ في سورية ولبنان. ويبدو أن إيران، وفي استجابة لهجمات يُزعم أن إسرائيل شنّتها في سورية، قد قد أوقفت مؤقتاً جهودها هذه، لكن يعتقد أنها استأنفتها مؤخراً.

واستناداً إلى الصورة المعلنة للجميع، لا يسع المرء أن يقول بثقة ما الذي تفعله إيران. ومن المحتمل أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي وغيره من المتحدثين الإسرائيليين قد بالغوا في تقدير التهديدات، سعياً منهم إلى أجل تركيز الاهتمام الدولي عليها.

2

صور دمار قاعدة تيفور في سورية، كما وزعتها إيران

 

في الوقت نفسه، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاقية النووية مع إيران بحلول أيار ما لم يوافق حلفاء الولايات المتحدة على “إصلاحها” بحلول ذلك الوقت. وقد أعرب الحلفاء، بسبب الافتقار إلى بدائل أفضل وبسبب القلق من احتمال انهيار الاتفاق النووي بأكمله، عن استعدادهم للقيام بذلك. وإذا حدث ذلك بالفعل ، فسيكون ذلك إنجازاً رائعاً للرئيس ترامب، تحقق بأسلوبه المعتاد بطريقة مذلّة ومهينة.

لكن المشكلة الحقيقية هي أنه ليس من الواضح كلياً ما إذا كان ترامب يسعى حقاً إلى اتفاق مع الأوروبيين. فتصرفاته الأخيرة، بما في ذلك تعيين وزير الخارجية الجديد ومستشار الأمن القومي الجديد، تشير عملياً إلى اتجاه معاكس، وهي أنّه ينوي الانسحاب من الاتفاق. وعلى أية حال، سيكون من الشاقّ والعسير جعل الإيرانيين يوافقون على أي تغييرات.

وفي غضون ذلك كلّه تتواصل المعركة الإقليمية من أجل السلطة على قدم وساق، مع استمرار إيران في ترسيخ نفسها كقوة إقليمية مهيمنة تسيطر على “الهلال الشيعي” الممتد على طول الطريق إلى البحر المتوسط، وسط استمرار ضعف السنّة. وعلى الرغم من عبارات الرئيس الأمريكي الصارمة، إلا أن الولايات المتحدة توقفت عن لعب دور قيادي في الشرق الأوسط. في حين أنّ روسيا، على النقيض من ذلك، تبسط نفوذها في شتّى أنحاء المنطقة من خلال مناورات استراتيجية متميزة وصفقات بيع أسلحة ومفاعلات نووية.

وكخطوة دبلوماسية فإنّ إسرائيل محقة في محاولة تركيز الاهتمام الدولي على أنشطة إيران في سورية، وحتى في تضخيم التهديد إلى حد ما، طالما أننا لا ننتهك دبلوماسيتنا العامة. بيد أن سياسة إسرائيل الفعلية يجب أن تستند إلى فهم دقيق قدر الإمكان لما يفعله الإيرانيون حقاً. أعتقد أن إسرائيل قوية وآمنة بما يكفي لتبني إستراتيجية أمن قومي على أساس ضبط النفس، لذا فقد دعوت إلى تركيز أكبر على الدفاع والدبلوماسية. ومع ذلك، أعتقد أن إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لإيران بتأسيس وجود عسكري دائم على حدودها، بما في ذلك القواعد الجوية والبحرية والبرية؛ وأنّ التغيير في الظروف الاستراتيجية لإسرائيل سيكون تغييراً شديداً.

إذا أثبتنا أن إيران تحاول بالفعل ترسيخ وجود عسكري دائم في سورية، فإنّ على إسرائيل تبني موقف ردع واضح وثابت يعمل على منع إيران من ذلك. ولتحقيق هذه الغاية، يجب على إسرائيل أن تتبنى نهج “الدبلوماسية القسرية”، أي التهديد الموثوق باستخدام القوة العسكرية لتجنب الصراع وتحقيق النتيجة الدبلوماسية المرغوبة.

وكجزء من هذا النهج، ولحث السوريين على وضع حد لأنشطة إيران على أراضيهم، يجب أن تفهم دمشق أنها تلعب حقاً بالنار هذه المرة، وأن إسرائيل سترد من خلال شن هجمات متدرجة ضد أهداف النظام، إلى درجة تهديد وجوده ذاته. ويجب على طهران أيضاً أن تفهم أنها إذا استمرت في جهودها فلن يكون لديها تلك الحصانة من الهجمات التي تمتعت بها حتى الآن بسبب المسافة الجغرافية، وأن أهداف النظام الإيراني ستدخل أيضاً في اللعبة.

قد تفضي هذه التوصية إلى تصعيد حاد وحتى إلى حرب. ولكن إذا تبين أن السوريين والإيرانيين تجاهلوا تحذيرات إسرائيل، فسنكون في طريقنا إلى الصراع في كل الأحوال، ومن الأفضل إخضاع إيران للاختبار الآن قبل عبورها العتبة النووية. إن من شأن سياسة ردع إسرائيلية كهذه أن تؤدي بلا شك إلى رد روسي قوي، وهذا هو القصد بالضبط: إجبار روسيا على كبح جماح سورية وحزب الله وإيران وبالتالي درء الصراع. من الواضح أن هذا النهج يتطلب أعلى مستويات التنسيق مع الإدارة الأمريكية، إلى الحد الذي عليه اليوم.

وبغض النظر عن العبارات المتشددة التي يستخدمها الرئيس الأمريكي، فإن الهجوم العسكري الأمريكي ضد البرنامج النووي الإيراني ربما غير مطروح على الطاولة. تستطيع إسرائيل بالطبع مواصلة تدابيرها السرية ضده، لكن هذه التدابير أثبتت محدوديّة فعاليتها حتى الآن. إذا تمّ تفكيك الاتفاق النووي فلن يكون لدينا بالتأكيد سوى خيار نهائي واحد: ضربة إسرائيلية. على الجانب الإيجابي، فإنّ ضربة كهذه قد تمتع الآن الولايات المتحدة، في حين أن معارضة إدارة أوباما كانت السبب الرئيس وراء امتناع إسرائيل عن الهجوم. بالمقابل، لا يمكن لضربة إسرائيلية أن تتسبب إلا في تأخير البرنامج الإيراني لبضع سنوات على حساب حرب مع حزب الله وربما إيران نفسها.

يتعيّن على إسرائيل أن تشجع إدارة ترامب على التوصل إلى تسوية مع الأوروبيين وأن تتوصّل، إذا لزم الأمر، إلى “إصلاح” جزئي للاتفاق. وجميع الخيارات الأخرى أسوأ من ذلك بكثير. أما معركة ضمان عدم انتهاء صلاحية القيود المفروضة على قدرات إيران النووية فينبغي تركها لتكون معركة المستقبل، أي أقرب إلى وقت انتهاء صلاحية الصفقة.

لا شكّ أنّ المعارضين للاتفاقية النووية يحتفلون بدنوّ تحقيق حلمهم الأكبر وهو إلغاء الاتفاقية، لكنهم قد يجدون حلمهم قريباً وقد تحول إلى كابوس. تتصرّف إسرائيل بالفعل كما لو أنّ إيران وحزب الله يردعانها، في حين أنها تتوخّى الحذر في تصرفاتها في سورية، وتمتنع عن شنّ عمليات هجومية في لبنان. فتخيل كيف ستبدو الأمور من دون الاتفاق النووي، وفيما إذا استطاعت إيران بالفعل أن تتجاوز بالفعل العتبة النووية.

لقراءة المقالة الأصل في موقع صحيفة هآرتس الإسرائيلية، انقر هنا.

نشرتها صحيفة درج الإلكترونية اللبنانية، انقر هنا.

أضف تعليق

ليس للعفريني إلا… الزيت

بعدما أطلقت الولايات المتحدة الأميركية تصريحات في شأن إنشاء قوة عسكرية قوامها ثلاثون ألف مقاتل، غالبيتهم العظمى أكراد، للمرابضة على الحدود الشمالية والشرقية السورية، انبرى وزير الخارجي التركي مولود جاويش أوغلو، قبيل دخول قوات بلاده إلى الأراضي السورية، ليقول في تصريح لا يخلو من بعض السينيكية وبعض حسّ الدعابة: سورية دولة ذات سيادة، لذلك تواصلنا مع إيران وروسيا للتنسيق في شأن دخول عفرين.

جاء هذا في خضم تصريحات عدة من كافة الأطراف المنخرطة في أزمة شمال حلب باستثناء النظام السوري نفسه، الذي أجّل تصريحاته إلى ما بعد دخول القوات التركية تلك الأراضي، حين نفى إبلاغه بأي معلومات مسبقة عن التحركات العسكرية التركية، بعدما قال البنتاغون والتحالف الدولي إن عفرين لا تقع ضمن المجال الحيوي لعملياته.

وفي غمرة التصريحات والتصريحات المضادة، يبدو بناء موقف سوري من الحدث مسألة مفخخة، يحيط بجوانبها الكثير من الخطوط الحمر وحقول الألغام. حتى عبارات التضامن المقتضبة مع أهالي عفرين ومأساتهم قد تصبح محلّ تساؤل وتشكيك يتناول النوايا، إلا ما اقتصر منها على جملة “متضامن مع عفرين” الفقيرة، حمّالة الأوجه.

وتزدحم في هذا الظرف سحابة داكنة ملأى بالأسئلة السوداء حيال عفرين… كبد حلب!

هل يمكـــن الطلب من قوات حماية الشعب الـــخروج من عفرين؟ ولكن، كيف يمكن أن تطلب ذلك من دون أن يفهم منك أــــنك تودّ تقديم المدينة لقمة سائغة لقوات الغزو التركية، أو حتى لجيش النظام الذي قد يسبقها بمعونة الروس؟ وكيف يمكن أن تشـــرح أنّ أحد همومك، بل أبرزها على الإطـــلاق، هو الحفاظ على حياة ومعيشة أهـــــل عفرين، أهلنا، الذين تتهددهم كارثة أشــبه بكارثة حلب الشرقية أو حتى كركوك؟

هل يمكن الطلب من قوات حماية الشعب الصمود في عفرين؟ ولكن، كيف يمكن أن تشرح أن أحد همومك هو أن لا تتفاقم توجّهات تقاسم “جسد سورية المريض” إقليمياً بعدما تمّ تقاسمها دولياً؟ وكيف يمكن أن تشرح أنك لا تقدّم هدية مجانيةً لقوات حماية الشعب، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، التي لم تعمل فقط على بناء سلطة استبداد وقمع جائر في عفرين ضد الأكراد أنفسهم والقوى الكردية أساساً، بل ساهمت إسهاماً دؤوباً ونشطاً في سقوط مدينة حلب أواخر 2016، خصوصاً أن هذه القوات كانت تشكّل فكّاً من فكّي الكماشة اللذين أطبقا على معبر الكاستيلو الحلبيّ؟

هل يمكن أن تقول إن هذه المعركة لا تعنيني؟ ولكن، كيف يمكنك النأي بالنفس وحالة عفرين ستكون على الأغلب، إذا نجحت تركيا، نموذجاً قد تحتذي به دول الجوار، على كامل مدار الخريطة السورية المهشّمة أصلاً، فتقضم الأراضي واحدة تلو الأخرى. وكيف يمكنك ذلك، وتغمض عينيك عن معاناة أهالينا في عفرين التي ستتفاقم بشراً وشجراً وحجراً، إنسانياً ومعيشياً وعمرانياً؟

هل يمكن أن تقول إنك ضد ما يُجرى؟ ولكن، كيف يمكنك أن تشيح بوجهك عمّا يحصل وأنت ترى المهجرين من أهالي تل رفعت وجوارها يتهيّأون لمغادرة بقايا خيامهم التي اقتلعتها عواصف الشتاء، استعداداً للعودة إلى قراهم ومنازلهم التي اقتلعتهم منها قوات الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي؟

وإذ يبدو من الصعب مع هذا المعطيات تحديد موقف مرسل حيال العمليات التركية، فإن من الصعب أيضاً وضع هذه العمليات في سياق سياسي محدّد متعلق بمجريات المفاوضات التي كانت دائرة في جنيف، والتي يشكّ بعودتها مجدداً، أو في سياق تفاهم إيراني روسي على صيغة جديدة لإدارة مرحلة انتقالية ما في سورية.

ولعل السؤال الأبرز الذي يطرح في هذه النقطة هو: كيف سيتصرف النظام السوري؟ هل سيكتفي بنفيه تلقّي أية معلومات مسبقة عن التحركات العسكرية التركية؟ ألن يمارس هوايته في خلط الأوراق، مهما كانت الأوراق التي يمتلكها قليلة وضعيفة؟ ألن يشترط، مثلاً، في دورة جنيف المقبلة إذا ما كتب لها الانعقاد، أن يعلن الطرف الآخر، أي “المعارضة” والهيئة العليا للمفاوضات، إدانته الغزو التركي للأراضي السورية؟ ليتحوّل السؤال إلى صيغة جديدة: كيف استعدّت قوى المعارضة السورية لهذا المأزق؟ وماذا تنوي أن تفعل بعدما تبيّن بجلاء أن الأولوية الأولى والأخيرة للحليف التركيّ المفترض ليست سورية على الإطلاق؟

أسوة بالروس الذين استفادوا من سياق انفتاح الفضاء السوري، ومن الأرض السورية الصالحة، لنقل معاركهم من الشيشان إليها، يأتي دخول أردوغان كمحاولة لتأمين الداخل التركي، من خلال نقل معاركه مع الأوجلانيين إلى الأراضي السورية.

لا تبدو للسوريين عموماً، عرباً وكرداً، في الشمال السوري أو أي منطقة أخرى، أيّ مصلحة في المعركة الدائرة في عفرين، مهما كانت النتائج التي تتمخّض عنها مبدئياً، إذ يبدو أن المآل الذي ينتظر بلد الزيت والزيتون مع هذه المعارك القذرة هو أن يتحول إلى ورقة تفاوض ومساومة بين المنتصر والنظام، سواء قدمها أردوغان أو أوجلان. ومن يدري؟ فلربّما تثبت سينيكية أيام الدم والخراب المقبلة على أهلنا العفرينيين أنّ معركة الأردوغانيين مع الأوجلانيين هي على ما سيسلّم عفرين مستقبلاً للنظام.

وفيما يرى فقهاء القانون الدولي أنّ عدم تقديم دولة عضو في الأمم المتحدة شكوى لدى أحد أجهزة المنظمة الدولية، في شأن دخول قوات دولة أخرى أراضيها من دون موافقة علنية منها، هو اتفاق غير معلن أو نوع من القبول الضمني بهذا التدخل، تحتار البوصلة وتضيق ذات اليد، وتبقى المشاعر الإنسانية المؤشر الذي يدفعك لتقول: متضامن مع أهلنا في عفرين… دمنا من زيت عفرين، وليس للعفريني إلا الزيت!

نشرته صحيفة الحياة في 25 يناير/ كانون الثاني 2018

لقراءة المقال في موقع الصحيفة انقر هنا.

%d مدونون معجبون بهذه: