أضف تعليق

فجر إيران جديدة

bb

بقلم: حميد دباشي

أستاذ كرسي هاغوب كيفوركيان للدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك.

ترجمة: ماهر الجنيدي – هازار البدرة

وزير الخارجية الأمريكية جون كيري يتحدث مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في فيينا  [AP]

وزير الخارجية الأمريكية جون كيري يتحدث مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في فيينا  [AP]

فجأة، على الرغم من الإعداد الجيّد ومسرحيات النشرات الأخبارية المتوقّعة كثيراً، انبثقت إيران بعد سنوات من العزلة الاقتصادية عندما رُفعت الظلال الثقيلة للعقوبات الاقتصادية الخانقة في مقابل كبحٍ جذريّ لبرنامجها النووي.

تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومقرها فيينا في بيان لها إن التقارير تشير إلى أنّ إيران نفّذت الإجراءات العمليّة المطلوبة بموجب [صفقة يوليو]، لتمكين يوم التطبيق [الصفقة] أن يحدث”، ما يمهّد الطريق لرفع هذه العقوبات الاقتصادية الخانقة.

وفي إعلان لا يقل دراماتيكية، صُمّم عمداً ليتزامن مع رفع هذه العقوبات، أفيد أنّ إيران أفرجت كذلك عن خمسة مواطنين أمريكيين، بما فيهم الحالة الأكثر ذيوعاً، مراسل واشنطن بوست جيسون رضايان، كجزء من عملية تبادل للسجناء مع الولايات المتحدة.

هذه الإعلانات المجتمعة، جنباً إلى جنب مع الإفراج السريع مؤخراً عن بحّارين أمريكان  ألقي القبض عليهم قبالة الساحل الإيراني، تعلن عن تغيير زلزالي في انبثاق إيران من عزلتها العالمية كقوّة إقليمية غير منقوصة، لم تصب بأذى تقريباً.

عقود مربحة

لا شك أنّ الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة يفتح الباب أمام فيضان التكتلات الدولية الأوروبية لأن تندفع إلى إيران للحصول على عقود مربحة.

في وقتٍ أدّى فيه انخفاض أسعار النفط الخام انخفاضاً حاداً إلى أن تغوص جميع البلدان المنتجة للنفط (ومعها الاقتصاد العالمي) في حالة من اليأس العميق، فإنّ الإفراج عن هذه الكمّيات من الأموال هو بمثابة منجم ذهب للاقتصاد الإيراني، كما لو كان العالم شكّل صندوق ادّخار آمن لودائع إيران، ليعيدها لها في وقت الحاجة.

ماذا ستكون تداعيات بزوغ إيران الجديدة هذه على شؤونها الداخلية والخارجية؟

إن عمل مفارقتين متوازيتين اثنتين سيدعم إيران كأمة وكدولة لتحقيق أهمية متصاعدة باضطراد في منطقتها.

داخلياً، النظام الحاكم في إيران يواجه مجتمعاً مدنياً شاباً قوياً وحيوياً وطموحاً لا يهدأ، لا يفوت أي فرصة اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو سياسية لتأكيد المكانة التي يستحقونها بين الأمم.

حدود الأمّة النفوذة ستغدو مفتوحة أكثر، على نحو أكثر انسيابية. مع الزيادة المتوقعة للتجارة العالمية يأتي النمو العضوي غير المتوقع للثقافة: توسيع الطرق السريعة للتبادل عبر الحدود سيجعل المجتمع المدني الإيراني أكثر قوة ونشاطاً.

ستواصل إيران الأمّة، التي تضمّ نحو 80 مليون نسمة، مع سياسة رسمية تعمل على زيادة السكان، اختبار غريزة بقاء إيران الدولة التي تدّعيها.

وما لا يستوعبه جيرانها الهزيلون ديمقراطياً هو أن النظام الحاكم في إيران قوي، ليس على الرغم من التململ المستمر للناس، ولكن تحديداً بسبب ذلك. فالإيرانيون يقاومون الاستبداد، لا بتفجير المباني أو قتل الأبرياء، ولكن من خلال الذهاب الى صناديق الاقتراع والتصويت في الانتخابات يعرفون أنّها مزوّرة.

توجد ممارسة مختلفة كثيراً للإرادة الديمقراطية للأمة.

لقد اضطروا حتى ما يسمى المرشد الأعلى آية الله خامنئي لأن يقرّ علناً ​​ومراراً وتكراراً بأنهم عند التصويت يصوتون لبلدهم، للسلامة والأمن ولازدهار مستقبل وطنهم، وليس أبداً لإضفاء الشرعية على حكم عصابة من رجال الدين الثمانينيين الواهمين حين يعتقدون أنهم في الواقع يحكمون أحلام هذه الأمة وطموحاتها.

الخصوم الإقليميّون

وخارجياً، فإنّ الحالة القتالية للدولة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية تقوي النظام، ليس على الرغم من خصومه الإقليميين، ولكن في الواقع بسببهم. فليس ثمّة بين الخصوم الإقليميين- بدءاً من تركيا مروراً بإسرائيل وصولاً إلى المملكة العربية السعودية- من يجاري النسخة الإيرانية للقوة الناعمة الذكية.

الميزانية العسكرية لإيران تقارب الميزانية العسكرية لأي من الخصوم الإقليميين. ولكنّهم لم يختاروا، ولن يختاروا أبداً، القتال في أي حرب تقليدية لن يستطيعوا الفوز بها إطلاقاً.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، وأكثر من ذلك، طبّقوا نظريّة جوزيف ناي عن القوة الناعمة والذكية، بل وتجاوزوها. هم أقوياء إقليمياً ليس على الرغم من قوة خصومهم العسكرية، ولكن بسبب حساباتهم المعيبة تقليدياً للقوّة.

كعب أخيل النظام الحاكم، في شؤون إيران الخارجية، والذي فشل في اتّباع منطقه في القوة الناعمة، هم دعمه المتواصل لنظام الأسد الدّموي في سورية.

فهذا الدعم يكلف النظام الحاكم ليس فقط قلوب وعقول الشعب السوري، ولكن مجمل العالم العربي.

نعم، في مستنقع سورية لا توجد أطراف بريئة سوى التطلعات السلمية والديمقراطية للشعب السوري. وكل بلد آخر انخرط في سورية على جانبي الصراع هو متورّط في المسؤولية عن الفوضى الدموية التي تشهدها سورية اليوم.

ولكن كل بلد من هذه البلدان ستتحمل عواقب التورط الدموي في سورية بشكل مختلف قليلاً. فجر إيران جديدة لن يتجسّد بالكامل ما لم، وحتى، تستطيع الإرادة الديمقراطية والسياسة التحررية، للإيرانيين والعرب، السنة والشيعة، أن ترى وتغرس انعتاق مستقبلهم على حقل مشترك ومتكامل لبعضهم البعض.

المصدر: الجزيرة

http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2016/01/dawn-iran-sanctions-iaea-prisoner-swap-160117054545834.html

(حقوق هذه الترجمة محفوظة- يرجى الإشارة إلى المصدر).

أضف تعليق

يد الأسد ملوّثة بدماء باريس

1-hnPc3FUkcY_okOEI7vYa9wبقلم: روبير كولفيل

الرئيس السابق للتعليقات في صحيفة تليغراف.

يمكن الاطّلاع على النص الأصل باللغة الإنجليزية هنا.

الديكتاتور السوري ليس عدو تنظيم داعش: إنّه من يمكّن هذا التنظيم من هذه الأفعال!

لا شكّ أن هجمات القنابل في باريس مقززة، فاحشة، مرعبة. ولعل أكثر الأوقات قرفاً كانت عندما قرر الرئيس السوري بشار الأسد أن يلقي اللوم في هذه المجزرة على السياسة الخارجية الفرنسية، قائلاً إنّ ما يواجهه الباريسيون هو بالضبط ما واجهه السوريون خلال السنوات الخمس الماضية، وأن هذا ما كان ليحدث لو أن فرنسا ساعدته ضد الإسلاميين، عوضاً عن النأي بنفسها!

من الواضح أن الجزء الأكبر من المسؤولية عن مأساة هذا الأسبوع تقع بشكل مباشر على تنظيم داعش، ومذهبه الإرهابي الوحشي. ولكنّ الشخص الوحيد الذي يتحمّل معظم المسؤولية المباشرة عن صعود هذا التنظيم، وبقائه قوياً، وتمدّده، هو بشار الأسد.

ليس فقط لأن الأسد، من خلال إغراق سوريّة في حرب أهلية، أوجد الشروط التي سمحت للتنظيم بأن يزدهر. بل لأنه فعل كل ما في وسعه لتعزيز سطوة تنظيم داعش. الحقيقة هي أن الأسد وداعش ليسا خصمين، بل حليفان.

لفهم ما أعنيه، علينا أن نعود إلى العامين 2012 و2013، عندما كان الثوار- بقيادة الجيش السوري الحر- على أبواب دمشق. حينها، أقدم الأسد، لكي ينقذ نفسه، على أمرين:

أطرق الأسد سراح الجهاديين المتشددين من السجن، واستبدلهم بالمدونين وناشطي حقوق الإنسان.

أولاً، وافقَ على ما يعد استيلاءً إيرانياً على المشهد. وكما روى دكستر فيلكنز في مجلة نيويوركر، فقد توجّه قاسم سليماني- رئيس فيلق القدس الإيراني- إلى دمشق ليتولى شخصياً القيادة، مغذّياً الصراع بالمال الإيراني والأسلحة الإيرانية والمقاتلين القادمين من طهران مباشرة أو من عميلها اللبناني حزب الله.

لكنّ الشق الآخر من استراتيجية الأسد كان أكثر مكراً. فمنذ بداية الحرب، دأب على وصف أعدائه بالإرهابيين الإسلاميين. وعلى مر السنين، فعل كل ما في قدرته على جعل هذا هو الواقع.

أفرج الأسد عن الجهاديين المتشددين من صيدنايا، السجن الأعتى لدى النظام، وزجّ عوضاً عنهم بالمدونين وبناشطي حقوق الإنسان. كما صوّب النظام قنابله وبنادقه تحديداً على المعتدلين، في حين منح المتطرفين الإسلاميين (وكثير منهم قد أثبتوا جدارتهم في التمرد في العراق ضد الولايات المتحدة) مطلق الحرية في الشمال. بل قيل إن الأمر وصل إلى حدّ أنهم تلقوا دعماً جوياً من الأسد خلال مسيرتهم إلى حلب.

غير أن تلك لم تكن سوى البداية. ذلك أن تنظيم داعش سطى على حقول النفط، من دون أن يكون لديه أي سوق لتصريفه. في هذه اللحظة دخل الرئيس الأسد على المشهد، فلم يكتف بشراء النفط منهم، لكنْ ضمن لهم أيضاً شراء المواد الغذائية، بل وحتى إصلاح أبراج هواتفهم النقالة. وردّ أصدقاؤه في داعش الجميل، في الزحف ليس صوب دمشق، وإنما صوب بغداد. هنا، حان وقت ذعر الغرب الذي أطلق ضرباته الجوية ضد تنظيم داعش، وليس الأسد.pray-for-Paris

لماذا فعل الأسد ذلك؟ الجواب بسيط: لإقناع كلّ من شعبه والقوى الأجنبية بأنّه البديل الوحيد عن المتشددين. إذ لطالما كانت استراتيجيته، كما كتب ديفيد بلير (أحد أكثر الأصوات البريطانية حكمة في شؤون السياسة الخارجية) في صحيفة التليغراف العام الماضي، هي أن يتصرف كمن يشعل الحرائق عمداً، ثم كرجل إطفاء. 

الأسد ليس أهون الشرين هنا. إنّه أكثرهما شراً.

يزعم الأسد الآن أنه الوحيد القادر على احتواء تنظيم داعش، لكن الحقيقة هي أنه لم يفعل شيئاً يذكر لاحتوائها. بل حتى حلفاؤه الروس لا يقصفون اليوم المسلحين، كما يزعمون، وإنما يقصفون ما تبقى من المعتدلين المحاصرين القلائل.

والنتيجة هي التعايش المروع. الأسد يقصف ويقتل ويشوه ويدفع الناس إلى أحضان المتطرفين. ثم يشير بإصبعه إلى نمو داعش ويقول، كما قال بشأن باريس: “انظروا إلى هؤلاء المتعصبين الهمجيين. هل أنا أخطر منهم؟”.

لكن المذكور أعلاه يوضّح أن الأسد ليس أهون الشرين هنا. إنّه الشر الأعظم. فمنذ العام 2011، كما يقول إميلي حكيم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “كان نظام الأسد ومازال المصدر الرئيسي للموت والدمار في سوريّة”. وحتى الآن، فإن الأسد لا يقتل فقط من شعبه أكثر مما تقتل داعش، بل أكثر مرات ومرات.

إذن لا. القتلى في باريس ليسوا ضحايا سياسة الحكومة الفرنسية، بل نتيجة سلوك يتعمّده الأسد: أخذ الخلايا السرطانية التي تسمى داعش وتغذيتها بجميع العناصر الغذائية اللازمة لكي تنمو وتتورّم لتغدو ضخمة وخبيثة.

أي سيناريو يترك الأسد في السلطة بدلاً من الزجّ به في السجن هو عمل مقرف في لاأخلاقيّته.

فمنذ العام 2011 في الواقع، يتحمل الدكتاتور السوري مسؤولية كل ما جعل هذه الحرب أسوأ، في حين يتعذّر علينا أن ننسبب إليه أي فعل إيجابي.

فالأسد هو من استخدم الأسلحة الكيميائية وقصف شعيه بالبراميل.

والأسد هو وراء موت الآلاف وتشريد الملايين.

والأسد هو وراء تدمير تدمر (من أجمل الأماكن التي زرتها)، والكثير من عاديات التراث والثقافة في سوريّة.

والأسد أيضاً هو وراء القتلى في باريس، وعلى الطائرة الروسية، وفي بيروت.

نعم، داعش تشكّل أكبر تهديد آنيّ للغرب. ونعم، ليس ثمة خيارات جيدة عملياً لإنهاء هذا الصراع الوحشي الفظيع.

لكنّ أي سيناريو للتحالف مع الأسد لمحاربة الإسلاميين، بل أي سيناريو يترك الأسد في السلطة بدلاً من الزجّ به في السجن، هو عمل مقرف في لاأخلاقيّته. ليس فقط لأنه سيشجع الطغاة في كل مكان على تكرار هذا السلوك، بل لأنه سيمثل انتصارا لاستراتيجيته الدبلوماسية القائمة على الوحشية المحسوبة.

قتلى باريس يستحقون منا أفضل من ذلك.

أضف تعليق

قدّاس للخدّج والرضّع وحديثي الولادة

ثمة خلل فنيّ يؤرّقني. كانت إحدى كوابيسي أن أموت طفلاً تحت حائط يتهدّم فوقي.

ولخطأ فنيّ غامض لا أقيم اليوم في حلب. ولا في حيّ المرجة. وبالأساس، ومنذ زمن، لم أعد طفلاً!

ثمة طفل آخر يعيش كابوسي الآن، رضيع، في هذه اللحظة، هناك.

قدّاس للخدّج**

بدأ الإسلام غريباً.. وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء”.

نص جميل. نشوة حياكة العبارات والصور تسود على العقل، وتمّحي مسافات الرياضيات.

فطوبى للغرباء.

ألغام هذه العبارة روعاً تفوق جمالياتها روعة: ألغام، وقنابل، وسكاكين، ودماء، وحرق، وقطع رؤوس.

كيف يمكننا نزع ذلك الفتيل القاتل فيها؟ كيف يمكننا الحفاظ على عذوبة الصورة فيها.
فالعاشق أيضاً يبدأ غريباً، ويعود غريباً.. فطوبى للعشّاق!

**

– خديج؟

= وما الخديج سوى قطعة من حلم؟

= دريئة للتدريب على انقطاع الكهرباء؟

– يحمل من أبيه مورّثات الخبز ومن أمه طعم العجين!

– من بين الأنقاض؟

= مشروع هتاف!

**
آخر ما حرّر، أنهم في بعض بلادنا يطلقون على سوق الخردوات المستهلكة اسم رابش، بلفظ عربيّ سليم، بكسر الباء. ويقصدون بها طبعاً (rubbish).

ثمة دلالة لغوية/ نفسية لحرف الشين في نهايات الكلمات أيضاً، جعلت داعش تحكم بالإعدام على من يرددها، وجعلت حالش يعمل على تجاهلها كي يطفئها، رغم أنها مناسبة له.

نعم، ثمّة دلالة نفسية وراء أسماء الأفعال التي تنتهي بحرف الشين: داعش.. طاحش.. طافش (مع عدم المؤاخذة من نسرين). رادش. ناكش. باطش. داحش. وبالطبع: حالش.

كلهم رابش!

**

حمص.. لا يجد باعتها غضاضة في الإعلان عن “ثلج بارد جداً”، أو أن حانوتهم يفتح “ليلاً نهاراً فقط”.

أهلها فطنون.. يحاول بعضهم “التحذلق” محاكاةً لدهاء الآخرين لكن سرعان ما تكشف حسن طويّتهم ونقاء سريرتهم مع أول نفحة طيبة تفوح منهم..

يضحكون على كل طرفة بائخة ترويها عنهم، كأنهم يسمعونها للمرة الأولى، بل ويزوّدونك بالجديد من الطرائف عنهم.

صادقون لكن رأسهم صلب. مرحون لكن عنيدون. أين من عنادهم أكراد سوريا.

لكن حذار.. فالويل لك إذا لمسوا منك إهانة أو غدراً.. فإنك لن تسلم حتى لو صلّيت الجمعة يوم الأربعاء!

**

ما بين “يا ألله” و”لبّيك اللهمّ” اختلاف كبير في موضع الهاتف الذي يطلق هاتين العبارتين، وفي تموضع الذات الإلهية اللتين تلتمسانها.

العبارة الأولى ابتهالٌ عاجز مذعن يطلقه المؤمن، في وحدته غالباً، طالباً المدد والفرج من الذات الإلهيّة. فيما الثانية صرخة كرنفالية احتفالية، تطلقها الحشود تلبيةً لدعوة/ حاجةٍ يفترضونها من الذات الإلهية التي خلقت الأنس والجان ليعبدوها.

وعلى الرغم من أنّ المأثور الشيعي يتّبع كلا الأسلوبين أيضاً في مناجاة الحسين أو زينب أو غيرهما من آل البيت، إلا أن الزمجرات في مواسم القتل والتقتيل تتوزّع على نحو جنساني، تفرّق بين الذكورة المعطية والأنوثة الآخذة، في إيحاءات نفسيّة تحاكي ذكوريّة العقليّة الشرقية وتحابيها.

إذ نجد النداء والمدد أسلوباً تخصّصَ بالذكور، فيما أسلوب المنح/ تلبية الحاجة المفترضة تخصّصَ بالإناث. فتغلب “يا حسين” و”لبيك يا زينب” على غيرها من توافيق وتراتيب العبارات المهدورة -مع الدم المهدور- فداءً لصرماية أحدهم.

**

هي دولة البسطار والرصاصة..
نسوا أن ينصبوا التماثيل للفراشات، وأن يرسموا للنسيم لوحةً من شمس وحمامات تحلّق.
البسطار اعتداء على التراب.. والرصاصة وسيلة تمضي بالعصافير إلى أمنا الأرض.

هي دولة البسطار والرصاصة..
يحلم الكثيرون بأن يعيشوا في كنفها.. يتلمّظون بطعم الفطريّات العالقة في أحشائه.. ويسكرون من رائحة البارود المكنون في غلافها..

هي دولة البسطار والرصاصة أيضاً، حتى لو أنشدت أناشيدك للسدارة والبيريه..

**

في دوما نابلس

ليس إلاكّ عليّ يا دوابشة.

نم قرير العين.

أترابك السوريون، من دوما دمشق، ينتظرونك.

=============
نشره ملحق النهار الثقافي في 5 سبتمبر/ أيلول 2015- لقراءة النص في موقع الصحيفة، انقر هنا.

%d مدونون معجبون بهذه: