أضف تعليق

بيل جيتس.. بعيداً عن العرش

في أحد المعارض الموسمية المهمة، هالني الأمر عندما تناهى إلى مسمعي حوار جانبي هامس، بين عدد من رجال المعلوماتية العرب الأشاوس، يدور حول معاناة شركات البرمجيات العربية “المستهلَكة”..

وكلمة “المستهلَكة” أستخدمها هنا، في الحقيقة، لتصف كلاً من الشركات والبرمجيات!

وكان من المشاركين في ذلك الحوار، رئيسٌ مستهلَك لإحدى تلك الشركات، رأيته رافعاً عقيرته، محافظاً على حد أدنى من الهمس، مقسماً: “شركتي تربح، وأنا أربح من البرامج الدينية، على الرغم من أنني أبيع نسخة برنامجي بخمسة دراهم.. وواللهِ.. لو علمت أن التجارة بالبصل تربح أكثر من الدين، لنقلت رحالي إلى ذلك الكار على الفور!”.

وكما أشرت، فقد هالني الأمر.. لأني طالما نظرت إلى بعض رجال المعلوماتية في بلادنا كرواد، وأصحاب مبادئ، وحملة مشاعل تفل ظلام عصور ماقبل الديجيتال!

لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني ذكريات تلك الحادثة، وقد مضى عليها عامان أو أكثر قليلاً، لحظة قرأت خبراً يفيد بأن بيل جيتس أغنى رجل في العالم، لم يعد يحمل اللقب ابتداء من نيسان/ أبريل الماضي، بعد صمود دام ثلاث سنوات في قمة اللائحة، وبعد أن هوت ثروته حديثاً إلى 54 مليار دولار بدلاً من 76 ملياراً العام الماضي.. وأنه ابتعد عن اللقب لصالح روبسون والتون صاحب إمبراطورية متاجر وول مارت، الذي تصدر بثروة تقدر بحوالي 65 مليار دولار!

ثمة آراء كثيرة ومتناقضة حول شخصية بيل جيتس، لكن أحداً لا يجرؤ على القول إنه غبي.

هو ليس ملاكاً خالصاً، ولا شيطاناً صرف.. لكنه في الواقع يختلف عن غيره من كبار الأغنياء. فإذا حاولنا مثلاً، قراءة ما يكتبه بيل جيتس عن نفسه، في موقعه الرسمي: www.microsoft.com/billgates ، نجد أن الطفل الذي أبصر النور في 28 أكتوبر/تشرين الأول من العام 1955، لأب محام، والطالب الذي لم يكمل دراسته في هارفارد، والشاب الذي تربع منذ سنوات على عرش أكبر إمبراطورية صناعية تقنية في العالم، والرجل الذي أصبح أغنى رجل في العالم، يضع سيرة ذاتية مبسطة ومتواضعة عن نفسه، لا أثر فيها للنرجسية التي نراها فاقعة في سيرة أي فنانة استعراضية هامشية في وطننا، أو حتى سيرة أي صاحب شركة برمجيات مهترئة فيه!

أما إذا اطلعنا على ما يقوله موقع آخر www.thetruthaboutbillgates.com ، فسنجد اتهامات قديمة تفيد أن سياسة بيل جيتس تقوم، منذ أن شب عن طوق الجامعة، على مبدأ “الإيقاع بالزبون”.. أي تقديم أرخص أسعار لمنتجاته، ومن ثم رفعها، حين يتأكد أن ليس أمام زبونه مفر من قبضته!

كما أن ثمة مواقع أخرى، تكيل إليه اتهامات بالجملة، منها: www.zpub.com/un/bill ، وخصوصاً موقع “أنا أكره بيل جيتس”، على العنوان:www.ihatebillgates.com ، و”المفكرة السرية لبيل جيتس”، على العنوان: www.billg.org ، وغيرها الكثير من المواقع التي تكشف أسماؤها عن فحواها، والتي تضج استياء بل وكراهية لصاحب مايكروسوفت، بأسلوب يتراوح بين التوثيق الجاف والنكتة الطريفة، التي تتساءل: لماذا هو أكثر ثراء منك.

لست في معرض الدفاع عن بيل جيتس، لكني لا أخفي أن من الضروري النظر بعين خاصة لهذا الملياردير الشاب، الذي يحمل وجهات نظر عن الكون والعالم والمجتمع والبشرية والدول النامية، تستحق الكثير من الاهتمام، وتكشف لنا عن وجه آخر، يختلف عن ما يقال من كونه رجل أعمال انتهازياً، وجه أقل ما يقال عنه إنه جميل ومشرق.

تعالوا نقرأ مقابلته النادرة مع صحيفة وول ستريت جورنال، والتي قامت شبكة عجيب بنقلها إلى العربية ،(اقرأ هنا)، لنجد إنساناً مليئاً بالهموم، مفعماً بالتفاؤل. وهو يقنعنا بأن إنشاءه العام الماضي مؤسسة “بيل وميلندا جيتس” www.gatesfoundation.org ، والتي موّلها بمبلغ 21.8 مليار دولار، لم يكن من باب الاستعراض، بقدر ما كان فعلاً بهدف تقديم معونة للأبحاث والبرامج الأخرى المتخصصة بتربية وتعليم الأطفالwww.childrensvaccine.com ، وبالأمراض القابلة للعلاج في العالم الثالث.

وعلى الرغم من ابتعاده عن عرش القمة المالية، فباعتقادي أن بيل جيتس مازال يتصدر في الواقع، قائمة أصحاب الرؤية، من بين أولئك المدرجين في قائمة الخمسين الأكثر غنى! وهو علاوة على ذلك، يتمتع بحاسة شم قوية في شؤون السوق وتقلباته، يعترف بها أعداؤه، وهي حاسة تجاري على المستوى التكتيكي حاسة الشم التكنولوجية الاستراتيجية لديه.

لكن، ماذا لو أن بيل جيتس، بحاسته التكتيكية القوية، فكّر بطريقة صاحب شركة البرمجيات العربية الذي ذكرته في البداية؟! ماذا لو أنه فكر بنقل جزء واسع من أمواله إلى شركات لا تعمل في مجال التكنولوجيا والبرمجيات؟! بالتأكيد لن يلومه الكثيرون باعتبار الانحدار الكبير الذي ألمَّ بأسهم ناسداك.. والذي جعله من جهة أخرى أكبر الخاسرين من هذا الهبوط.

لن أخلط الأوراق وأقول إن آلية رأس المال في بلادهم شبيهة بآليته المزرية في بلادنا.. ولن أقارن الرجل بأصحاب الشركات العربية الموسمية المستهلكة.

إنه على أية حال استثمر في غير مايكروسوفت، بدون أن يبتعد عن أجواء التكنولوجيا والثقافة، كاستثماره في مشروع الأقمار الصناعية الشهير تيليديسك www.teledesic.com إلى جنب الوليد بن طلال، وفي المكنز الفوتوغرافي الرقمي الأكبر عالمياً: www.Corbis.com .. كما أنه قد يستثمر في شركات الصناعة الثقيلة، والبنى التحتية، وربما في الموسيقى، أو الأدب، أو في مشاريع ذات طابع ثقافي تعليمي..

لكنه سيترك روائح البصل بالتأكيد لصاحبنا أعلاه!

ماهر الجنيدي 

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: