أضف تعليق

عشرة تساؤلات في القائد المعجزة.. نقاط للحوار

ياسر عرفاتعلى الرغم من قناعة قطاع واسع من المراقبين بأن تجربة الثورة الفلسطينية لا تتشابه مع تجارب غيرهم من “الثوار” العرب الذين استلموا السلطة عبر ثورات مجيدة، أو انقضوا عليها من خلال انقلابات ظافرة، إلا أن ثمة تقاطعات في تجربة إدارة السلطة والقيادة لدى الفلسطينيين ولدى غيرهم من العرب. وهي تقاطعات تلفت الانتباه، وتشي بأعراض لأمراض متشابهة، وبوصفات متشابهة، في معالجة هذا الموضوع أو ذاك.

أشير هنا إلى حلقة من برنامج يدعى نقطة حوار، أذاعتها هيئة الإذاعة البريطانية عبر الهواء مباشرة الأسبوع المنصرم، بعيد أيام من انتقال الرئيس عرفات إلى فرنسا للمعالجة في مشفى عسكري. تحدث المشاركون (في البرنامج) عن الاحتمالات التي يخبئها المستقبل للساحة الفلسطينية في حال غيّب الموت الرئيس عرفات. ودأب مقدم البرنامج، لبعض الوقت، على توجيه الحوار باتجاه الحديث عن “الحرب الأهلية”، وهي العبارة التي كررها مراراً، بصوت متهدج، حاول فيه قدر استطاعته أن يوضح بتواضع ذكاءه الصحفي.

لن أناقش هنا احتمالات قيام حرب أهلية بين الاتجاهين الرئيسيين في المقاومة الفلسطينية، الوطني (العلماني) والإسلامي، وهي حرب من الطبيعي أن تكون الماكينة الإسرائيلية، بشقيها العسكري والأمني، قد خططت لها، وأنها تدفع باتجاهها منذ مدة طويلة، بغض النظر عن وضع عرفات الصحي، معتمدة على ملابسات داخلية، وعلى ضيق أفق بعض المقاومين، وعلى وقوعهم في مصيدة رد الفعل.

وكذلك فإني لن أناقش الوضع العربي الذي أحاط بالرئيس عرفات، منذ أعلن الرئيس الأمريكي عن ضرورة عزله/عزلته. هذا الوضع الذي اتسم باستجابة كاملة منقطعة النظير من قبل الزعماء العرب، توحدوا خلالها بالامتناع ، لأسباب معلنة متفاوتة، عن لقائه، أو حتى للاستماع إلى كلماته عبر دوائر تلفزيونية مغلقة، في اجتماعات القمم العربية.

وأخيراً فإني لن أناقش الأخطاء التي وقعت بها الثورة الفلسطينية، والأخ ياسر عرفات نفسه، الذي تحول من زعيم لأكبر حركات التحرر الوطني في العالم، إلى رئيس لسلطة مبتورة، تكاد صلاحياته لا تتعدى صلاحيات رئيس مخفر للشرطة في أية دولة بوليسية، من المحيط إلى للخليج. وهي أخطاء ناجمة عن خلل في استقراء الأوضاع، داخلياً، وإسرائيلياً، وعربياً، ودولياً.

ما أطرحه اليوم هنا هو مجرد تساؤلات عن أسباب حالات القلق العميق، بل والذعر الشديد، التي تنتاب المواطن العربي من غياب قائده الرمز، حامي الحمى الذي وهبه الله لنا ليأتينا بالذئب من ذيله. وهي حالات ذعر تكاد تكون موحدة عربياً!

  • هل ثمة إشكالية تتأصل في الفكر العربي، وتضرب جذورها في مدى قرون خضع فيها لسلطة الحاكم الفرد، ولي الأمر، الملهم الفذ؟
  • هل هي عقدة نفسية، أشبه بعقدة النقص، أو الشعور بالقصر، تتعلق بمجتمع بطريركي أبوي عشائري اعتاد فيه الزعيم أن يهيمن بعديد أبنائه/أتباعه، وبالسيطرة الاقتصادية، وأحياناً بالمصاهرة مع العشائر المتناحرة؟
  • هل هي ثمرة لفجوة في الثقافة العربية الإسلامية؟ هذه الثقافة التي كان التوحيد المطلق لله تعالى، الفرد الصمد، هو إحدى تجلياتها؟
  • هل حاولت جهات محددة، أو غير محددة، عالمية أو محلية، سواء كانت أجهزة أمن أو مراكز أبحاث متخصصة بقياس الوعي الجمعي، والبنى النفسية المجتمعية، والعقليات، والذهنيات، أن تقدم “خلطة” سرية/سحرية للرؤساء العرب، تعينهم على التشبث بوجودهم؟
  • هل استفاد كل رئيس من هنات وأخطاء ونجاحات تجربة “السلف الصالح” في رؤوس هرم السلطة في البلدان العربية؟
  • هل كانت استفادتهم الرئيسية من تجارب أنظمة الحكم الشمولية في ما كان يعرف بـ”منظومة الدول الاشتراكية”؟ إذا كان الأمر ذلك لماذا لم يصبهم إذن ما أصاب سلطات تلك الدول؟
  • هل لتداخل بيت السلطة، مع بيت زعيم السلطة، ومنزل أفراد عائلته، بل ومخدعه أحياناً، والغموض المصاحب لما يتسرب من معلومات عن الخلافات والصفقات العائلية، أثر في إيهام الناس بأن اللعبة أكبر منهم جميعاً، وأنها أشبه بلعبة الآلهة في الميثولوجيات القديمة، وأن القدر، والقدر وحده، هو الذي سيقرر مصير الأمة بعد موت الرب الأكبر للعائلة؟
  • لماذا تصر السلطات على الحديث على “دولة المؤسسات” التي ستتولى ضمان استقرار الأمور بعد موت الزعيم، وتستبعد الحديث عن “هيئات المجتمع المدني”، التي يعني غيابها انعدام إمكانية مشاركة أبناء البلد في ملمات الوطن إلا من خلال أجهزة مسبقة الصنع، وفق رؤى وترتيبات الزعيم؟ وهل من معنى، بالأصل، لمؤسسات سلطة بدون هيئات مجتمع مدني؟
  • يستدعي السؤال السابق سؤالاً أكبر في ظل السلطات القائمة على حكم القائد الرمز: هل يشعر أبناء البلد بالمواطنة؟ أم أنهم مجرد سكان/رعايا؟
  • وأخيراً، هل قدمت المعارضة نموذجاً يحتذى في “تداول السلطة” في قياداتها؟ أم أنها كرست مبدأ الانقسام والنزاع بديلاً عن الحوار والصراع الداخلي ضمن أطرها التنظيمية ومنظوماتها الفكرية؟

بعيداً عن القائد المخلّص، ظهر في بعض بلادنا القائد المورِّط. بمعنى أن بلداناً عربية بعينها وقعت فيها بعض قوى المعارضة تحت تأثير هاجس الحرب الأهلية، فقررت الدفاع عن النظام، أو تبرير بعض تصرفاته، أو تجميلها، أو الإحجام عن أي دعم للقوى المعارضة الأخرى، مخافة إراقة دماء أهل البلد الواحد.

وإذا أخذنا مثلاً التجربة العراقية، وهي الأكثر خطورة في يومنا هذا، فهي تبين على نحو لا يرقى له الشك، أن الشعوب العربية شبت عن الطوق، وتجاوزت سن الرشد، وباتت واعية تعرف مصلحتها جيداً، بعيداً عن هواجس النزاع الداخلي المسلح.

وإذا شئنا بعض التفصيل في دراسة الحالة العراقية أقول إنه وبعد مرور أكثر من سنة ونصف على سقوط نظام صدام، كان الشعب العراقي خلالها هو الأبرز في الدفاع عن أرضه، وقيادة المقاومة، كانت الحرب الأهلية بعيدة عن الجميع، وكانت الخلافات الإثنية ضمن حدها الأدنى، برغم محاولات خارجية، سواء منها إقليمية أو “تحالفية” أو حتى “قاعدية” لبث الرعب من هذا الشبح الفظيع. ولعل حنكة وحكمة القوى الوطنية الإسلامية كانت وراء عزل، أو على الأقل وراء المحافظة على حد أدنى من التداخل مع منظمات القاعدة، هذه المنظمات التي تلعب الدور المكمل للاحتلال الأمريكي في تبرير تدمير المقاومة الوطنية.

رب قائل يعزو هذه الدرجة من الوعي إلى وقوع العراق تحت الاحتلال، ومواجهة الشعب عدواً مشتركاً. هذا الرأي صحيح إلى درجة معينة، لأن تركيبة العراق وتاريخه، بمقابل ذلك، قد يشكلان إغراء كبيراً لقوى عديدة في أن تستغل الفرصة للتعبير عن نفسها بتجليات إنفصالية إقليمية. وهنا، لن يكون الأمر نتيجة لغياب الزعيم، بقدر ما هو نتيجة احتقان طائفي أو قومي، تستخدمه قوى دولية أو إقليمية، وفق الطراز اللبناني.

نال الموت من كثير من الزعماء العرب خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ينتظر أن ينال من الدفعة الثانية خلال السنوات الخمس المقبلة. ولم ولن تحدث أية حروب أهلية نتيجة ذلك. ولا ينبغي لهذا الهاجس/ الفزاعة أن يقبع في ذهن أي من القوى الوطنية المعارضة لحكم الفرد، فيمنعها عن رسم خططها وبناء قواها للعب الدور المنتظر منها في الصراع الاجتماعي الوطني هنا أو هناك.

إذا وقعت حرب أهلية يوماً في فلسطين، وهذا لا يتمناه أي صديق للثورة الفلسطينية، فليس لأن “أبو عمار” غاب عن الساحة. بل لأن ثمة شرخاً في المجتمع الفلسطيني ازداد بفعل عوامل مساعدة، داخلية ثقافية واقتصادية، وعوامل عربية وإسرائيلية وعالمية. ولأن هذه الحرب ستكون نتيجة وتجلياً لانتصار حاسم وناجز لليمين المتطرف في إسرائيل والولايات المتحدة في محاولتها لقبر القضية الفلسطينية وثورتها.

وبغض النظر عن خصوصية الحالة الفلسطينية، فإن الأنظمة العربية عموماً رتبت أوضاعها الداخلية وموازين القوى، وحصلت على الاعتمادات الإقليمية والدولية خصوصاً بما يضمن “انتقالاً هادئاً” للسلطات لتصل بأمان إلى خير خلف لخير سلف، حتى لو اضطر أحدهم لتغيير ولي عهده في اللحظات الأخيرة، أو لقرار “حكيم” في غض النظر عن وصيته ودفنه في مكان آخر.

وكذلك فإن الشعوب العربية شبت عن الطوق البطريركي، وصار بإمكان قواها التقليدية وغير التقليدية، أن تتجنب ويلات أي حرب أهلية، في غياب الزعيم الرمز، والقائد المعجزة، ابن الشعب البار وأبوه.

ماهر الجنيدي

نشرتها (كلّنا شركاء في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004)

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: