أضف تعليق

صلاح بدر الدين.. من « الحريّة» إلى «الحرّة»؟

المؤتمر التأسيسي لجبهة الخلاص الوطني في سورية

“اختار المؤتمر التأسيسي لجبهة الخلاص الوطني في سورية أعضاء المجلس الوطني (اللجنة المركزية) للجبهة إلى جانب أعضاء الأمانة العامة للجبهة”..

لم يسترع انتباهي في هذا الخبر، من بين 26 اسماً ورد لأعضاء “المجلس الوطني” أو “اللجنة المركزية”، إلا اسم الأستاذ (صلاح بدر الدين).. ظننت للوهلة الأولى أن ثمة تشابهاً في الأسماء، وأنه يخلق من الشبه أربعين.. لكنني تحققت فيما بعد أنه الشخص ذاته الذي استبعدته.

الأسماء الباقية منها ما هو معروف إلى درجة الفضيحة، والبعض ما لم أتعرّف عليه، وأنا الذي أدعي أنني سوري مهتم بشؤون الوطن! بعضها كان يوماً اسماً يتردد على ألسنة الكثيرين، وبعضها الآخر بات نجماً يسطع في فضاءات الإنترنت وفضائيات العم سام، لكن معظمها سيتطلب من المرء بحثاً مكثفاً للتعرف إلى خلفياتها وتراثها وتاريخها، عساه يتعرف على هويات أصحابها.

أما الأستاذ صلاح بدر الدين فليس من هؤلاء ولا أولئك.. فهو شخصية ثقافية، سياسية، نضالية، ذات مساهمات مهمة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وخصوصاً في فترات الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الإسرائيلي للبنان، حيث يقول إنه أسهم في (الدفاع عن المقاومة الفلسطينية في قلعة الشقيف وبيروت والبقاع). وحظيت مساهماته وآراؤه باهتمام واحترام الكثيرين من قراء الصحف اللبنانية والفلسطينية الصادرة ذلك الوقت، وخصوصاً التزامها برؤية مميزة لواقع الصراع العربي الإسرائيلي، ضمن تجلياته المحلية، وموقعه من الصراع الدولي.

وفيما كانت تلاقي كتابات الأستاذ صلاح بدر الدين في مجلة (الحرية) مثلاً أصداء طيبة لدى كثير من العرب السوريين، فقد كانت تقابل بنظرات الشك والريبة من بعض النشطاء من أكراد سوريا (ولنقل قلّة منهم) الذين يرون في مواقفه واهتماماته استعراباً (أي اهتماماً مكثفاً بالشؤون العربية) أكثر من اللازم، وابتعاداً عن الشؤون الكردية، وكأن الاهتمام بمجابهة العدوان الشاروني أمر ينبغي لأكراد سوريا أن يربأوا بأنفسهم عن منحه أوليتهم النضالية. إلا أن بدر الدين كان مستمراً في كتاباته بدون كلل، وفي مواقفه إلى جانب الثورة الفلسطينية.

—————

نعود إلى خبر المؤتمر التأسيسي لجبهة الخلاص، الذي أثار حفيظة من رأوا أن “من الغريب أن يقف شخص يساري بهذا التاريخ ليمد يده إلى أشخاص، بعضهم تلاحقه فضائح الفساد، وبعضهم الآخر سقط في فخ بناء التحالفات البراغماتية، حتى مع رموز لبنانية مهتزة (لعلّهم يقصدون جنبلاط)، ضاربين عرض الحائط بمواقف معظم أطياف القوى الوطنية والمدنية في سوريا”.

الأستاذ صلاح بدر الدين، المقيم في أربيل، شغل فيما مضى منصب الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الشعبي الكردي في سورية، وهو مشرف عام على رابطة كاوا للثقافه الكردية التي تحظى بتقدير كبير لدى جمهور المثقفين، ويرأس جمعية الصداقة الكردية ـ العربية، كما شغل يوماً منصب مسؤول عن العلاقات الخارجية في حكومة كردستان العراق (إدارة أربيل)، قبل توحيد الحكومتين المحليتين في كردستان العراق.

يذكر أنه لاحت في تلك الفترة، أواسط العام 2004، إشارات استفهام لدى البعض على الأستاذ صلاح بدر الدين، حين كتب مقالة بعنوان: (رسالة الى بؤساء الثقافة الشوفينية)، متطوعاً فيها بالرد على مقالتين كتبهما (نضال حمد) و(د.عصام نعمان)، مستندتين الى مقالة (سيمور هيرش) المنشورة في صحيفة نيويوركر الأمريكية، والتي ضمنها الكاتب الأمريكي خبراً بأن الأجهزه الإسرائيلية تغلغلت في كردستان العراق من أجل دعم الأكراد في العراق والمنطقة وخاصة في سورية، وأن “عملاء للموساد تنكروا بصفة رجال أعمال، وتسللوا لمحيط منشآت نووية ايرانية”.

اللافت في مقالة الأستاذ صلاح بدر الدين كان رده الانفعالي، الذي لم يأت بإجابة عن ما قاله سيمون هيرش. بل احتوى على شعارات إنسانية وحقوقية، وتأكيدات على أهمية العلاقات الطيبة العربية الكردية، وآراء عن أهمية الديمقراطية والاعتراف بشعوب المنطقة، وهي أمور لم يجادله فيها أحد، بل ويتفق معه فيها معظم المثقفين العرب. لكن انفعاله وصل إلى وصف أي تخوف أمني عربي من حدوث تسلل إسرائيلي إلى كردستان بالمواقف الشوفينية العربية وتجاهل حقوق ووجود الآخر الكردي. كما وصل إلى حد الرد على الاتهامات بإطلاق النعوت، وهو ما لم نعهده في كتابات الأستاذ بدر الدين حين قال: «إن ماكتبه السيد هيرش حول المزاعم بالتغلغل الإسرائيلي في كردستان العراق قد انكشف مصدره وهو وزير الخارجية التركي عبدالله غول، ومستشاره أحمد داود اغلو المتحدر من أصول اليهود الدونما».

كل ذلك، كما أشرت، بدون أن يقدم بدر الدين إجابة شافية قاطعة لمحاوريه عن المسألة التي أثارت النقاش، وعن التقرير الذي أسنده سيمون هيرش في الحقيقة إلى “مسؤولين استخباراتيين حاليين وسابقين في الولايات المتحدة والشرق الأوسط وأوروبا”.

—————

وبالعودة مرة أخرى إلى تحركات المعارضة السورية، بدا السيد بدر الدين لاحقاً بأنه يقف في صفوف صقور المعارضة، التي انتقدت إعلان دمشق، إذ نشر في صحيفة (صوت العراق) مقالة يصف فيها الموقعين على الإعلان بالمترددين، وتحمل عنوان (إعلان المترددين في دمشق والمهام العاجلة)، أخذ فيها على الموقعين أنه “غاب عن معظمهم أمر جوهري، وهو مرور الكرام على مسألة التدقيق في برامج ومواقف الأطياف الوطنية المشاركة في صياغة الإعلان والتوقيع عليه من الشأن الوطني العام، ورؤيتها الحقيقية للوضع السياسي ونظرتها لطبيعة النظام والبديل، وهل كانت أو مازالت تعتبر نفسها فعلاً جزءاً من المعارضة الوطنية الديموقراطية الهادفة الى التغيير، ثم ماهي الأسباب التي دفعتها الى الاقدام على هذه الخطوة الإعلانية التي مازالت مثار الريبة والجدل”، ورأى أنه “بيان سياسي يحمل بعضاً من شعارات ومطاليب متقدمة وصالحة لمستقبل الشعب والوطن نسمعها ونقرؤها باستمرار حتى في وسائل الإعلام الرسمية”.

الأستاذ صلاح بدر الدين

وكرد فعل على هذه الآراء، رأى الكاتب السوري الكردي (فاروق حجي مصطفى) في صحيفة السفير أن صقور المعارضة السورية هؤلاء إنما “لا يوجهون انتقاداتهم على أساس أن (إعلان دمشق) ليس مشروعاً وطنياً، بل لأنهم لا يستطيعون الخروج من العزلة وإلى افتقارهم إلى ثقافة التكيف والحوار، وبالتالي فإنهم يعيشون أزمة مع الذات ومع الآخر أيضاً، والذنب في ذلك ليس ذنب الأطراف الموقعة على الإعلان بقدر ما هو ذنبهم هم!”.

لذلك يبدو غريباً بالفعل، انجذاب الأستاذ صلاح بدر الدين إلى التحالف الوثيق مع نمط من المعارضة السورية، يثير ماهو أكثر من “الريبة الجدل”، نمط من المعارضة تتكشف “رؤيته الحقيقية للوضع السياسي” من خلال تحركاته السياسية دولياً إقليمياً ولبنانياً، وهي تحركات يتفق معظم السوريين، أصحاب الرأي والعموم، على رفض دخولها بهذه الطريقة كعامل في الحراك السياسي الاجتماعي الداخلي.

—————

بدا غريباً بعض الشيء، أن الأستاذ صلاح بدر الدين في إحدى مقابلاته (أجراها روحي عازار في الشهر السادس من العام 2004) أبدى إعجابه بالشخصية المعارضة الإشكالية (نزار نيوف)، معتبراً أن «مواقف نزار نيوف تقدمت على جميع القوى في الداخل والخارج». فهو رأي أثار حفيظة الكثيرين، وتساؤلاتهم إلى أي موقع يحاول الأستاذ صلاح أن يدفع المعارضة؟

إلا أن ما يزيد الموقف غرائبية، هو الموقف الذي اتخذه نيوف. فالمعارض المثير للجدل، “صديق” الأستاذ صلاح بدر الدين، عبر عن مواقف مناقضة تماماً لخطوة بدر الدين، في مقالته (وبالأحرى تصريحه) التي كتبها بعنوان (توضيح بشأن اجتماعي المزعوم مع عبد الحليم خدام!)، ونشرها في 9 آذار 2006، بعيد لقائه (نيوف) ببدر الدين في باريس، وعقب انتهاء لقاء الأخير مع خدام مباشرة.

يقول نيوف في تلك المقالة إنه لم يلتق مع عبد الحليم خدام، ولن يحصل هذا في المستقبل إلا أمام قضاء عادل يكون فيه داخل أقفاصه كمتهم؛ أو حين يُصدر بياناً مكتوباً يعتذر فيه للشعب السوري عن مشاركته في ما ارتكبه من جرائم ضد هذا الشعب على مدى أربعة عقود ويطلب منه العفو والمغفرة، ويعيد جميع المنهوبات التي سرقها من الأموال العامة هو وبعض أفراد أسرته، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال استثمار الوظائف الرسمية التي تبوأها وحقق من ورائها “ريعا وظيفيا” يقدر بمئات الملايين من الدولارات!

واستطرد نيوف أنه حين استفهم عن أمر لقاء بدر الدين مع خدام أشار أن الموضوع “لا يعدو أن يكون محاولة منه للوقوف على ما يطرحه الشخص المذكور” بعد “انشقاقه” عن النظام، خصوصاً وأن الظرف السياسي “يتطلب اللقاء مع الجميع والاستماع إلى الجميع”.

ثم أضاف نيوف بالحرف الواحد: «وقد أوضحت للصديق صلاح بدر الدين، وبكل صراحة، أن تاريخه النضالي “أنظف من أن يلوث باجتماع مع رجل من هذا النوع». «وقد تقبل الصديق بدر الدين موقفي ورأيي بكل رحابة صدر، مقدراً الخلفية التي أنطلق منها».

بل إن وجهة نظر نيوف، وصلت إلى القول بأن أي مبادرة للالتقاء بخدام هي “خيانة ـ وإن تكن غير مقصودة ـ لدماء السوريين وحقوقهم… مهما انطوت عليه هذه المبادرات من نوايا طيبة ودوافع نبيلة…. ذلك لأن أي لقاء بين معارض وطني نظيف اليد والتاريخ مع خدام وأمثاله لن يستفيد منه إلا هؤلاء المجرمون الذين لا يريدون من وراء هكذا لقاءات إلا تحويل “الأوادم” وتاريخهم النضالي إلى مماسح لأوساخهم وللدماء والأموال التي لم تزل على أيديهم المجرمة”.

—————

أمام ثنائية خدام- بيانوني، فإن ورود اسم الأستاذ صلاح بدر الدين في البيان المذكور أعلاه قد لا يعني شيئاً لأكثرية السوريين، باستثناء شريحة من المثقفين والمتابعين والمهتمين، أكراداً وعرباً، موالاة ومعارضة، دارت في خلد بعضهم تساؤلات من قبيل:

لماذا يضع الأستاذ صلاح بدر الدين في الميزان سمعته التي اكتسبها بنشاطه خصوصاً لنصرة القضية الفلسطينية؟. هل هي خطوة يائسة منه للعودة إلى الحياة السياسية السورية من نافذة لندن، بعد أن تماهى في أجواء أربيل وعلاقاتها الإقليمية “غير العربية”؟ وهل هذه الخطوة ستقطع آخر خيط يربطه بسوريا؟ ألم يتعظ بدر الدين بالنتائج السلبية التي حصدها صدر الدين البيانوني، وحركة الأخوان المسلمين من خطوة مماثلة؟

أما السؤال الساخر المرّ الذي طرحه أحد الخبثاء: هل سيتخذ بدر الدين من (الحرّة) منبراً إعلامياً له بدلاً من (الحريّة)؟.

ماهر الجنيدي

نشرت في “الأزمنة العربيّة”

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: