أضف تعليق

الممر الآمن إلى الشرق الأوسط الجديد

حين يقول السيد شمعون بيريز إن الحرب التي تشنها إسرائيل على لبنان هي “حرب حياة أو موت بالنسبة لإسرائيل”.. وعندما يأتي هذا القول بعد يومين من حديث الآنسة غوندوليزا رايس عن “آلام المخاض” في ولادة شرق أوسطٍ جديد، فهذا يستدعي التدقيق جيداً بما حدث ويحدث وما يفترض أن يحدث على ساحة الشرق الأوسط الحالي، خصوصاً وأن الحديثين جاءا من شخصيتين مرموقتين على الصعيدين التنظيري بعيد الأمد والميداني العسكري بآن معاً.

«الشرق الأوسط الجديد» مصطلحٌ أطلقه شمعون بيريز بعيد اتفاق أوسلو، يختلف شكلاً ومضموناً عن «الشرق الأوسط الكبير» المصطلح الآخر الذي أطلقته شخصية أقل رؤيوية من شمعون بيريز، ألا وهو الرئيس جورج بوش الإبن، بعد سنة من سقوط بغداد في يده، مستنداً إلى تنظيرات استقاها من الآنسة غوندوليزا رايس ذاتها، وأساساً من «بول وولفويتز» قبل انتقاله لتسلم مهام رئاسة البنك الدولي.

“الفرق بين مشروع بيريز وجورج بوش، يتمثل في التوقيت، وفي اختلاف الظروف الدولية والإقليمية جذرياً. ويتمثل خصوصاً في وضع العرب الذي وصل إلى أسفل الدرك. مع بيريز، استند المشروع إلى دمج إسرائيل Integration في المنطقة عبر توزيع المهمات بين الدول العربية وإسرائيل. أما مع بوش، فإن مشروع الشرق الأوسط الكبير، يرتكز على أن يكون العرب هم المنفذون، وهم وسيلة الاختبار، وهم ليسوا شركاء، إلا اذا نفّذوا لائحة المطلوبات منهم وهي كبيرة جداً جداً. كما يتناول المشروع الجديد التغيير الجذري لدى العرب في عقولهم كما في قلوبهم” (1).

لكن لا ينبغي لهذا أن يدفع إلى الظن بأن الفوز الشكلي للتسمية البيريزية للشرق الأوسط المقبل على حساب التسمية البوشيّة، تعني أن الصيغة البيريزيّة هي التي انتصرت، وأن العرب حازوا نقطة إضافية منحها لهم بيريز وكاد بوش أن يودي بها.. بل إن الأمر يعني على الأغلب أن ثمة رؤيةً جديدةً تشكّلت، ستفرض بقوة النار وبحمّامات الدماء، تتضمن أسوأ ما في الرؤيتين بالنسبة للعرب. رؤية يمكن التكهّن بعنصريتها من خلال تصريح السيد جون بولتون، مندوب أمريكا الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي قال إنه لا يمكن مقارنة دماء المدنيين الإسرائيليين بدماء أولئك المدنيين الذين يقتلون في لبنان.

كل هذا، فيما يبدو الموقف الرسمي العربي لاهثاً للحصول على ممرات آمنة إلى كراسي السلطة، بحماية إسرائيلية.

هل أخطأت المقاومة التوقيت؟

إن واقع أن حزب الله كان دقيقاً على مدى عشرات السنين السابقة في جميع حساباته، وفي توقيت جميع عملياته، وفي تحسّبه لجميع ردود الأفعال المحلية والإقليمية، سيضعنا أمام احتمالين:

  1. أجرى حزب الله حساباته هذه المرة أيضاً.. وأخطأ فيها.
  2. أجرى حزب الله حساباته هذه المرة أيضاً.. لكنه استُدرج لارتكاب الخطأ فيها.

كلام مهم ذكره الدكتور سمير جعجع في مقابلته الأخيرة مع تلفزيون الجزيرة حين أشار إلى أن حزب الله أجرى حساباته إقليمياً، لكن ليس بالمعنى الإيراني أو السوري، بل بالمعتى الفلسطيني. سمير جعجع هو رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية وما يسمى “المقاومة المسيحية اللبنانية”، وينظر إليه باعتباره واحداً من أشد صقور الموارنة تصلباً، وأشدها تنسيقاً مع المواقف الإسرائيلية، وقيل إنه تلقى شحنات من الأسلحة خلال الأيام القليلة الماضية، الأمر الذي لا يمكن تأكيده أو نفيه حالياً.

وبعد تصريح السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله الذي اعترف فيه بأنه أخطأ حسابات الموقف العربي من عملية “الوعد الصادق” التي أسر فيها الجنديين الإسرائيليين، يمكننا وفق منظور حزب الله أن نرسم السيناريو التالي لما جرى:

• وصلت طاولة الحوار اللبنانية-اللبنانية إلى طرق مسدودة في عدد من المسائل المطروحة. شعر عندها حزب الله أنه سيستدرج بعدها إلى أحد موقفين لن يرضى عنهما إطلاقاً:

  • التسليم بارتهان لبنان كاملاً للمشروع الأمريكي، وفق رؤية 1559 لنزع سلاح المقاومة.
  • التخندق الداخلي وارتفاع وتيرة الحرب الباردة بين القطب المهادن بامتداداته الأمريكية الإسرائيلية الفرنسية من جهة (أو ما يطلق عليه حزب الله اسم “أدوات إسرائيل المحلية”)، وبين القطب المقاوم.

وباعتبار أن حزب الله هو الوحيد الذي لم يتلوّث سلاحه بالدماء اللبنانية، وأعلن مراراً تمسكّه بهذه الخصلة الفريدة، في مائدة حوار معظم أطرافها الآخرين هم قادة الميليشيات وأقطاب الحرب الأهلية اللبنانية بكل المعنى الميداني الملوّث للكلمة..

وباعتبار أن الأطراف اللبنانية على مائدة الحوار تفاهمت على موسم سياحي غير متوتر وغير مشحون..

وباعتبار أن إسرائيل تعيش أوقات صعبة في غزة، والولايات المتحدة تعيش أوقات صعبة في العراق، ما يعني أن عملية كهذه قد تزيد من إرباكهما بدون أن تقدمان على حرب مفتوحة..

وباعتبار المعلومات الاستخباراتية التي جميعها تفيد بأن إسرائيل تستعد لتنفيذ الحرب المذكورة في شهر سبتمبر أو أكتوبر القادمين (2)، بانتظار إشارات داخلية من طاولة الحوار.

فقد رأى حزب الله أن “الوعد الصادق” إنما أتت في ظروف مواتية تماماً، وبتوقيت محكم كالعادة. فالعملية:

• ستعزز موقفه الحواري في أحسن الأحوال.

• ستسهم في فرز صفوف المحاورين وكشف مواقفهم ونواياهم الحقيقة.

• وفي أسوأ الأحوال، إذا جاء الرد الإسرائيلي قاسياً، فإنها ستكون وسيلة لمنع تسليم لبنان إلى المشروع الأمريكي الإسرائيلي الفرنسي.

• وستعفيه في جميع الأحوال من تلويث سلاحه بدماء لبنانيين.

ولن يغير الأمرَ كثيراً ما قيل عن إن إسرائيل هي التي استدرجت حزب الله لخطف الجنديين، من خلال إفلات دورية إسرائيلية تقترب ولأول مرة منذ العام 2000 إلى مسافة قريبة جداً من الحدود اللبنانية، بحيث تزيد من شهية المقاتلين اللبنانيين لاختطاف عناصرها.

إذن أين الخطأ؟

من خلال عمليته قدم حزب الله للنظام العربي الرسمي، وعلى طبق من ذهب، هدية ثمينة بل ثمينة جداً، كان من شأنها أن تغير ملامح التوازنات الإقليمة وقلبها إلى جانب العرب في وجه إسرائيل، فيما لو تحقق أمران:

  1. ربط عملية “الوعد الصادق” بعملية “الوهم المتبدد”.
  2. التنسيق العربي الرسمي مع حركة حماس وحزب الله، لإحراز أقصى ما يمكن تحقيقه من مكاسب، سواء على صعيد الأسرى العرب في السجون الإسرائيلية، أو على صعيد تحريك العملية السلمية، أو على صعيد كسب بعض النقاط النظيفة، لتضاف في سجل الأنظمة العربية لدى البيت الأبيض والبنتاجون، وفي أسوأ الأحوال إعادة الحديث عن الرباعية أو خريطة الطريق أو المبادرة العربية للسلام.

لا شك أن حزب الله سيكون قد ارتكب خطأ جسيماً في حال:

• ظن أن النظام العربي الرسمي يمتلك رؤية استراتيجية للصراع العربي الإسرائيلي تمايزه عن رؤى إسرائيل.

• ظن أن وجود حماس على الخط سيمنع الأنظمة العربية من النظر إلى “الوعد الصادق” بعين الريبة الطائفية، بالمعنى السنيّ الرديء للكلمة.

• فشل في تقدير مستوى الترابط الوثيق والتنسيق العالي بين محور الحريري- السعودية من جهة، ومحور السنيورة- أمريكا من جهة أخرى، ومحور جعجع- إسرائيل من جهة ثالثة.

• ظن أن أسوأ ما سيصل إليه انحطاط مواقف النظام العربي الرسمي هو الصمت. وهو ما عبر عنه السيد حسن نصر الله في مقابلته مع قناة الجزيرة.

لكن لماذا هذا الموقف العربي؟

يأتي الموقف العربي في شكل تفكير قبلي بدوي، قبل مدني، لا يتفهم منطق العصر الحديث حيث تُجري فيه الدول حساباتها الاستراتيجية لعدة عقود، وتضع خططها، وترسم مناطق اهتمامها ونفوذها. وبالتالي لا يتفهم مثلاً أن الاهتمام الإيراني بالمنطقة العربية حق مفهوم للإيرانيين بحكم حقائق التاريخ والجغرافيا. وأن العرب إذا شاؤوا أن يواجهوا ذلك بخطة وحسابات تضع الأراضي الإيرانية ضمن مناطق اهتمامها ونفوذها المستقبلي، فهذا حق لا يمكن إنكاره، بل ولعلّه واجب تقتضيه رسم سياسات الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.

وبذلك جاء الموقف العربي الرسمي محكوماً بضغط عدد من العوامل، منها:

  1. الشرعية العرجاء أو المنقوصة أو حتى المفقودة التي تستند إليها معظم الأنظمة العربية، لا تتيح له أن يتخذ موقفاً مستقلاً عن الإرادة الإسرائيلية والأمريكية، لاعتقاده بأن هذه الإرادة قد صفحت عنه بعد ضغوط شديدة مارستها عليها خلال السنتين الماضيتين باسم الديمقراطية.
  2. محاولة بعض الأنظمة العربية المستندة إلى الفكر الديني أن تسحب البساط من تحت خلايا القاعدة النشطة والنائمة في أراضيها، من خلال موقف طائفي بامتياز، يرى في أي قوة نفوذ إيرانية خطراً شيعياً داهماً تهون أمامه الإملاءات الإسرائيلية الأمريكية.
  3. ضرورة إجهاض أي محاولة لتكرار الانتصار الذي حققه النموذج المقاوم في نيسان/ أبريل 2000، ذلك الذي حوصر بكثير من الجهود الإسرائيلية والإقليمية. إذ من الصعب القبول بنجاح جديد لهذا النموذج ليقلب طاولة خفية يجري فيها على قدم وساق رسم ملامح صفقة ترضي جميع المعنيين بالشرق الأوسط الجديد، وتتضمن لبنان والعراق وفلسطين والمفاعلات النووية السلمية الإيرانية.
  4. لا يليق بالنظام الرسمي العربي أن يتكون المقاومة اللبنانية هي الجهة الوحيدة التي تقدم الدعم للشعب الفلسطيني، الذي عرفت قواه الإسلامية أخيراً كيف تنفذ عملياتها ضد جنود الاحتلال.

وإلى ذلك، ففي الوقت الذي لم يستطع وزير خارجية دولة عربية “تحبّ لبنان” أن يصف العلاقة التي تربطه بلبنان بأكثر من “علاقات سفر” سياحية، فإن رئيس دولة عربية عظمى لم يستطع أن يمتلك من الجرأة ما يجعله يقول أكثر من العبارة المرتجفة: “أنا شخصياً مع وقف إطلاق النار”. وهذا ما يفسر المفارقة في كون النظام الرسمي العربي الذي نسق بوضوح مع الجهات الدولية والعربية الأخرى من حيث توقيت تصريحاته المتعلقة بالمغامرة التي أقدم عليها حزب الله، هو ذاته الذي لم يستطع أن يقوم بحملة تشرح موقفه للجمهور العربي، إلا بوسائل عتيقة بالية، لم تعد تخفي عورته.

ومن هذه الوسائل:

  1. استصدار الفتاوي الطائفية.
  2. اعتبار نموذج تحرير الكويت (تعهيد صد العدوان المحلي لمتعهدين عابرين للقارات)، نموذجاً يمكن تطبيقه لما يحكى عنه من أطماع فارسية في المنطقة.
  3. الحديث عن ضرورة “عودة حالة السلم إلى المنطقة”، والذي يوحي بأن المنطقة كانت تنعم بسلم مستتب هانئ إلى أن تربعت حماس على عرش السلطة وقام حزب الله بفعلته.
  4. الإقرار الضمني المسبق بالهزيمة أمام آلة الحرب الإسرائيلية، من خلال تكرار الحديث عن الفضائيات العربية التي تغطي الحدث، والقول إنها تورطت بمواقف ستندم عليها.
  5. تقليص المطالب العربية من إسرائيل إلى: “عدم الاستخدام المفرط للقوة”، و”لزوم ممرات آمنة”، و”نحن مع وقف إطلاق النار”.
  6. كيل التهم المكرورة وإطلاق النار على كل موقف عربي يقف إلى جانب المقاومة ويدين إسرائيل.
  7. افتتاح معارك جانبية قد تسترعي اهتمام جزء من دهماء الشعوب العربية بعيداً عن المعركة القائمة، من قبيل ما بدأت تتداوله رسائل البريد الإلكتروني عن ملهى في نيويورك يتخذ شكل وتسمية الكعبة الشريفة، لتعيد إلى أذهاننا معركة البوكيمونات حين كانت إسرائيل تقوم بالمجزرة تلو الأخرى في فلسطين المحتلة.
  8. التلميح إلى أن المقاومة اللبنانية هي المسؤولة عن الأوضاع الإنسانية المتردية في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، ومحاولة استخدام تلك الأوضاع كعنصر ضاغط يبتزّ حزب الله بغية دفعه للرضوخ في تنفيذ أهداف العدوان، من تسليم الأسرى، ونزع السلاح، والإقرار بالمستقبل الأمريكي الإسرائيلي للبنان.

بأية حال، إذا كانت الوقائع تشير إلى أن الطريقة التي يتخذها العدوان على لبنان، من ضرب البنية التحتية والجسور والمنشآت والمباني، أسلوبٌ يُسيل لعاب الرأسمال العقاري السياسي في لبنان والمنطقة، التي تطلعت منذ اليوم الثاني للعدوان إلى بدء مشاريع تنمية عقارية رابحة جداً، فإنها قد تعني رشوة مسبقة لشراء بعض المواقف، التي تتطلع قدماً إلى الشرق الأوسط الإسرائيلي الجديد.

لا شك أنه مخاض عسير وأنها معركة حياة أو موت ليس بالنسبة لإسرائيل فقط، بل بالنسبة للكثيرين من المحيط إلى الخليج، وكذلك بالنسبة للمقاومة اللبنانية والفلسطينية.

————–

(1) دراسة للعميد الياس حنا نشرتها صحيفة «النهار» البيروتية في 6 مارس/ آذار 2004

(2) في كلمته التي وجهها يوم الثلاثاء 25 يونيو عبر قناة المنار الفضائية تحدث السيد حسن نصرالله عن الخطة الإسرائيلية بتفاصيل أكثر عن الكيفية التي كانت ستتم بها الضربات. وألمح إلى أنه لم يكن له علم بذلك، وأن التقادير شاءت بأن تجري عملية “الوعد الصادق”، لفقد إسرائيل عنصر المفاجأة، الذي كان جوهرياً في خطتها.

 

 

ماهر الجنيدي

نشرتها صحيفة الرأي السورية، ونشرة الأزمنة العربية في 26 تموز/ يوليو 2006

 

اقرأ أيضاً: شرق أوسطنا الجديد

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: