أضف تعليق

قفاك.. لا راواك!

تقول القواميس في مادة Abbreviation إنها تعني الاختصار، أو الاختزال، أو المختصر، أو الشكل المختصر لكلمة أو عبارة.

وقد عرفت العرب هذه الاختزالات منذ زمن بعيد، وبرعوا فيها، حيث نعلم أن (جب يه)، هو رمز جيب الزاوية (Sin Θ)، وأن (تجب يه) تكافئ (Cos Θ)، وأن ظل وتظل يه هي (Tan & Cot Ѳ).

ولم يقتصر استخدام المختصرات على الرياضيات، بل تعداها إلى العديد من العلوم التطبيقية، مثل الكيمياء والفيزياء، وكذلك إلى الدراسات والكتابات التي تتعلق بالعلوم الإنسانية.

 فكلّنا يعلم أن (صلعم) أو (ص) هي اختصار لعبارة تتكون من خمس كلمات (صلى الله عليه وسلّم)، وأن (رض) أو (ر) تعني (رضي الله عنه)، وأن (قد) أو (قدس) تعني قدس الله سره، وما إلى ذلك مما يخصّ الرسل والصحابة وغيرهم.

وفي التاريخ المعاصر استخدمها العرب في تسميات بعض المؤسسات والمنظمات.

فحركة فتح الفلسطينية، جاء اسمها اختصاراً لعبارة (حركة التحرير الوطني الفلسطينية)، أي أن اختصارها المفترض كان (حتوف)، لكنهم وجدوا أنهم إذا اختصروا حرف الواو لحصلوا على اسم أوقع معنىً، وأشدّ وقعاً، فصارت (حتف). لكنهم عادوا وأعادوا النظر بمداليل الكلمة، ووجدوا أنهم لو قلبوا ترتيب الحروف لحصلوا على دلالة أفضل (فتح).

وعلى الرغم من أن هذه الكلمة تدل في بعض مداليلها إلى سورة الفتح في القرآن، إلا أن بعض مداليلها الأخرى لم ترق للفتيات في إحدى التظاهرات التي نظّمتها المقاومة الفلسطينية، حين هتف الذكور باللهجة الفلسطينية وبالصوت العالي: (بدنا فتح.. بدنا فتح!).. فرددت الإناث بعدهم بحياء وخفر: (إحنا كمان.. إحنا كمان!).

وفي الإطار الفلسطيني أيضاً، جاءت حركة المقاومة الإسلامية باختصار لتسميتها (حماس).

وجدير بالذكر أن العرب لم تستخدم كلمة حماس في مفرداتها إلا في زمن متأخر في اللهجات العامية، والكلمة الفصحى هي (حماسة)، سواء كنت تتحدث عن الحماسة للعمل، أو الوطن، أو الحبيبة.

شهدت الاختصارات تطوراً كبيراً في اللغات الأخرى، بل وصارت جزءاً من مفرداتنا في يومياتنا المحكيّة، وفي لغتنا الفصحى أحياناً. يحضرني منها:

  • اليونيسكو UNESCO United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization، أي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.
  • الأونروا UNRWA United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees، أي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
  • اليونيفيل UNIFIL  United Nations Interim Force in Lebanon، أي قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. [رغم أن تسمياتها في صحافتنا مختلفة: قوات الطوارىء الدولية، القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، وغيرها.. تبعاً لأغراض وتوجهات الصحيفة، أو نظراً لجهالتها].

وتقاعس العرب عموماً عن ابتكار مختصرات عربية حديثة، نظراً لأسباب عديدة، أرى منها:

  • المأزق المعرفي: حيث لم يعد للعرب دور أساس في بناء ثقافة أصيلة.
  • مشكلة التواصل: إن الاتفاق على اختصار جديد يتطلب تواصلاً أوسع بين صانعي المعرفة من كتاب ومفكرين، وبينهم وبين جمهور المطلعين والقراء.
  • غياب المرجعية: لا تتوفر مرجعية ديناميكية تنهض بأعباء التحديث والابتكار اللغوي المتواصل.
  • مشكلة اللغة: ما أخشاه هو أن لغتنا العربية تعاني من ضعف فيها، يجعل عملية نحت مختصرات جديدة مسألة صعبة.

ففي قطر مثلاً، تسعى جميع الشركات والمؤسسات إلى إيجاد تسميات مختصرة لها، منشؤها الأصل الإنجليزي، ولكنّ لفظها عربي:

قافكو QAFCO Qatar Fertiliser Company: هي شركة قطر للأسمدة الكيماوية. حافظ حرف القاف على الوقع العربي للكلمة (وهو حرف مهم بالنسبة لقطر)، بعد رأى صاحب القرار في تسميتها أنه لا يمكن استخدام الحروف العربية الأولى.. فتصبح (شقاك)!!

أما كفاك QAFAC، Qatar Fuel Additives Company، وهي شركة قطر للإضافات البترولية المحدودة، فلم يخطر ببال صاحب القرار بتسميتها أن يستخدم المختصر العربي (قاب) التي وردت في القرآن (فكان قاب قوسين أو أدنى). والتي يمكن استخدامها في شعار (أقرب إليك)..

وحفاظاً على قفاه اختفت القاف هنا، واستبدلت بحرف الكاف، خشية أن تتحول الكلمة فتصبح (قفاك)، فيلقى صاحب القرار بتسميتها حينئذ ضربة على قفاه كان سيستحقها!

على أية حال، إنه حديث ذو شجون.. وكما يقول المثل الحلبي غير الفصيح:

كفاك لا رواك!

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: