أضف تعليق

في أمريكا: عائلة رائعة من الأجانب غير الشرعيين تواجه اضطرابات أسريّة

بداية فيلم «في أمريكا»، تصل سارة وجوني سوليفان إلى الحدود الأمريكية الكندية في سيارة ستيشن عائلية، مع ابنتيهما الجالستين في المقعد الخلفي. هما من آيرلندا، وقادمان إلى الولايات المتحدة بطريقة غير مشروعة سعياً من جوني لأن يعثر على عمل كممثل، بحيث يمكنهما بدء حياتهما من جديد بعد وفاة ابنهما الصغير، فرانكي.

بمساعدة طفلتيهما المناضلتين: آرييل المرحة التي تراقب كل شيء باهتمام، وكريستي المتحفّظة، تمكنوا جميعاً من فتن شرطي الهجرة المرتاب، والذي قرر أن يصدّق أنهم يقضون إجازة وليسوا مهاجرين يائسين.

ملصق الفيلم

فيلم بسيط مؤثّر، عرضته شاشات التلفزيون العربية مؤخراً، مترافقاً مع بساطة في الإعلان عنه، على نقيض ما يجري عادة عن الأفلام الأخرى. مضت العائلة في سيارتها مشدوهة العينين من خلال “تايمز سكوير”، لتحلّ أخيراً في شقة متهدمة سرعان ما طليت بطلاء زاهي الألوان وبأثاث متداعٍ. الجيران هي مجموعة غير مؤذية في الغالب من المدمنين على المخدرات، والمتسولين والفقراء العاديين، فضلاً عن رسام انعزالي يدعى ماتيو (الممثل دجيمون هونسو)، الذي يبدو أنه يموت بسبب الإيدز، والذي صادقته الفتاتان خلال أحد أعياد هالوين.

العديد من عناصر هذا الفيلم تعد بحمّام لزج من العواطف الوقحة: الفقر المشهدي، الرجل الملائكي المحكوم عليه بالفشل، والطفل الذي مات، والوالدان التعيسان المنكوبان والمكافحان، الفتاتان الصغيرتان اللذيذتان، والحمل الخطر، وغيره. لكن بدلاً من ذلك، وبفضل إخراج جيم شيريدان الرشيقة الصادق بدقة وذكاء الجافة من أبدى رأيه ، فمن المؤكد أن فيلم «في أميركا» يخترق دفاعات جميع المشاهدين، بل أكثرهم تحجراً وتقززاً.

سبق للمخرج جيم شيريدان أن مارس هذه الخدعة من قبل، محوّلاً القصص التي قد تبدأ بعواطف جيّاشة مفرطة إلى دراساتٍ معمقة وثاقبة للشخصيات. فيلم «قدمي اليسرى- My Left Foot» الذي يتناول الفنان المقعد كريستي براون، قد يكون من السهل اعتباره أطروحة متغطرسة باسمة عن محنة المعاقين، تماماً كما كان يبدو فيلم «بسم الآب- In the Name of the Father» كمحاضرة على محنة السجناء السياسيين الآيرلنديين، وفيلم «الحقل- The Field» كلغو منبري عن محنة أصحاب الأراضي الصغيرة.

لكن وعلى ما يبدو، فإن اهتمام شيريدان بالأشخاص الحقيقيين يفوق اهتمامه بالمحن العامة، وما يتبقى في العقل بعد مشاهدة أفلامه هو الفردانية المشعة الخام من شخصياته.

وساعد في ذلك أن بادي كونسيداين Paddy Considine وسامانثا مورتون Samantha Morton، اللذين لعبا دوري جوني وسارة، ليسا نجمين معروفين في عالم السينما، ولا يميل أي منهما كثيراً نحو التفاخر.

سامانثا مورتون، بشعرها القصير المقصوص، وعينيها الهائلتين المكتويتين بالحزن، تبدو وكأنها تطارد حواف الإطار، إلى أن تدرك أنّ ما تتسم به مشاعرها من قوة بليدة عاجزة عن الإفصاح هي في الواقع تكون قلب الدراما.

واستطاع بادي كونسيداين، بملامحه النحيلة المتخاذلة، وعيونه المندفعة المتوثّبة، أن يحرس خصوصية جوني إلى ما وراء واجهة الحالة المعنوية الجيدة واللطيفة.

وقد كان مناسباً أن كليهما ظل غامضاً بعض الشيء، لأن الفيلم الذي كتبه شيريدان مع اثنتين من بناته، قدمهما إلى حد كبير من خلال عيون الأطفال.

تناضل العائلة من خلال اتفاق غير معلن للحماية المتبادلة، تتضح لنا فقط حين يبدأ انهيارها. الفتاتان، اللتان تلعب شخصيتيهما أختان حقيقيتان، هما إيما وسارة بولغر، اتفقتا على عدم ملاحظة مدى معاناة والديهما، وإشغال نفسيهما عن ذلك قدر المستطاع.

يعدّ «في أميركا» الفيلم الأكثر شخصية بالنسبة إلى شيريدان- وسيتضح مدى شخصيته عندما ترى الإهداء في نهاية الفيلم- وهو شخص أكثر تواضعاً من أن يحول تجارب عائلته مثل يرمز إلى أمور أكبر شأناً. قد يبدو عنوان الفيلم متكلفاً بعض الشيء، ولكنه مقصود كاستحضار بطاقة بريدية، أو مذكرات طفلة (مثل مذكرات كريستي التي تجمعها بكاميرا الفيديو عنها): فليس المقصود هو «هذا ما يعنيه أن تكون في أمريكا»، بل «هذا ما رأيناه عندما كنا هناك».

يشعرك الفيلم، من لحظة إلى أخرى، بأنك أمام قصة صغيرة واستعراضية إلى حد ما. لكنها بعد ذلك، كما في أفلام شيريدان الأخرى، تبدأ في النمو والنضج إلى أن تفاجئك في لحظة لا تتوقعها، وبطريقتها الخاصة، بأنها قصة مهمة.

وحاز الفيلم على تصنيف (PG-13) أي لا يسمح بدخول الأطفال من سن 13 عاماً فما فوق إلا إذا كانوا برفقة ذويهم. يتضمن القليل من البذاءات، ومشهداً جنسياً واحدً، ولحظات قليلاة من العنف الخطر.

فيلم «في أمريكا IN AMERICA»

من إخراج جيم شيريدان Jim Sheridan؛ كتبه جيم شيريدان مع نعومي شيريدان Naomi Sheridan وكيرستن شيريدان Kirsten Sheridan؛ مدير التصوير الفوتوغرافي: ديكلان كوين Declan Quinn؛ المونتاج: نعومي جيراغتي Naomi Geraghty؛ الموسيقى: غافن فرايدي Gavin Friday وموريس سيزر and Maurice Seezer؛ مصمم الإنتاج: مارك جيراغتي Mark Geraghty؛ إنتاج: جيم شيريدان وآرثر لابين Arthur Lappin؛ وزّعته: Fox Searchlight Pictures. مدة العرض: 103 دقائق. تصنيف الفيلم: (PG-13)، أي يسمح بدخول الأطفال من سن 13 عاماً فما فوق شريطة أن يكونوا برفقة الأهل.

بطولة: سامانثا مورتون Samantha Morton في دور (سارة) ، بادي كونسيداين Paddy Considine في دور (جوني) ، دجيمون هونسو Djimon Hounsou في دور (ماتيو) ، سارة بولغر Sarah Bolger في دور (كريستي) وإيما بولدر Emma Bolder في دور (آرييل).

 

(نقلها إلى العربيّة ماهر الجنيدي)

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: