أضف تعليق

ليبيا.. التلكّؤ والتفويض والابتزاز

صرّح مدير المخابرات الوطنية الأمريكية، جيمس كليبر، أن الكفة ترجح لصالح النظام الليبي. وجاءت تصريحات كليبر يوم أمس الخميس أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ، وقال فيها: “إن قوات العقيد معمر القذافي باتت هي المسيطرة”. (اقرأ التصريح هنا).

القذّافي: كتائب على مشارف بنغازي

يبدو هذا التصريح لأول وهلة مفاجئاً، وناشزاً، وغير متسق مع المداولات الغربية، والتصريحات، والإعلانات، التي ما فتئت تبدي منذ بداية ثورة أبناء المختار، جعجعة بدون طحين، أوروبياً وأمريكياً وأطلسياً.

يتحدثون عن فقدان نظام القذافي لشرعيته، ويتحدثون عن “ما قد يرتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية”، ولكنهم لم يملّوا بعد من إظهار الكياسة القانونية، والحرص الأخلاقي على عدم المس بالقانون الدولي، الذي قد ينطوي عليه فرض منطقة حظر طيران في ليبيا.

فتارة يتحدث الناتو، وتارة تتحدث هيلاري كلينتون، وتارة يتحدث آخرون عن الإمكانات الفنية لتطبيق مثل هذه المنطقة، أو عن ضرورة حصولهم على مرجعية دولية قبل الإقدام على تدخّل عسكري.

ولعلّ أسطع مثال على ذلك، ما قاله رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني بأن إيطاليا” منسجمة تماماً مع المسار الذي يقرره المجتمع الدولي” و”لكن، وقبل اتخاذ أي قرار بشأن ذلك علينا الانتظار، لنرى ما الذي سيحدث في طرابلس” الغرب. و”علينا الحذر الشديد في هذه اللحظة، لأن الوضع في ليبيا في تطور مستمر”.

واليوم باتوا يتحدثون عن ضرورة وجود معطيات قوية على الأرض، وعن ضرورة أن يتوفر “تفويض” عربي، وعن ضرورة أن يتوفر غطاء أممي أيضاً.

فلماذا هذا التلكؤ؟

دعونا نذكر أن “العراق 2003″ لم يشهد مثل تلك المداولات.

ودعونا نذكر أن مسألة تجميد الأصول والأموال لم تشهد تردداً مماثلاً من قبل أي من تلك الجهات. فمنذ أصدر مجلس الأمن وبالإجماع يوم 26 فبراير/ شباط الماضي القرار رقم 1970 الذي تضمن حزمة عقوبات على ليبيا كان أبرزها تجميد الأرصدة الليبية بالخارج، توالت قرارات العديد من الدول بتجميد الأصول الليبية.

أما إجراءات فرض منطقة حظر على الطيران فهي أمر آخر. لماذا؟

1. تمثّل ليبيا حالة ثالثة يقف فيها الغرب موقفاً انتهازياً متردداً حيال ثورات الشعب العربي في شمال أفريقيا. فهو غير مستعد لهذا التسونامي العربي الثوري الذي قوّض الاستراتيجية الأمريكية والغربية السابقة في منطقة الشرق الأوسط، والتي لا يبدو أنها كانت تتضمن خططاً بديلة لتغيرات ثورية كبرى، اتساعاً وعمقاً، كالتي حدثت في تونس ومصر.

2. تمثل ليبيا كنزاً نفطياً يسيل له لعاب الغرب، فلا تريد أمريكا أو إيطاليا أو إنجلترا أو فرنسا أن تغامر بمصالحها الكبرى هناك، ولو كان ذلك حقناً لدماء بشرية آدمية.

3. تقع ليبيا في موقع جغرافي وسط، بين بلدين ناهضين واعدين، لم تتلمس بعد أمريكا، وأوروبا، ملامحهما، وهما مصر العربية وتونس.

ماذا تريد أمريكا؟

على الرغم من الكلمة الرومانسية الجميلة التي ألقاها باراك أوباما، والعبارات القوية التي ألقاها سيلفيو برلسكوني في أعقاب أول انتصار حققته الثورة المصرية في خلع الرئيس حسني مبارك، فإن أمريكا هي أمريكا، وبرلسكوني هو برلسكوني.

1. ثوار المختار يرفضون أن يطأ ترابهم الوطني أي جندي أجنبي. وهذا موقف لا يرضي أمريكا، التي تستبيح العديد من البلدان العربية وغير العربية. فإحجام أمريكا عن فرض حظر الطيران هو أقرب إلى إحجامها عن تقديم مساعدة غير مشفوعة بموطئ قدم لها على الأرض، بشكل أو بآخر.

2. يبدو ثوار المختار وكأنهم يتجهون إلى موضع حرج، يجعل من تقسيم البلاد نوعاً من الأمر الواقع. وبالتالي فإن إبقاءهم بهذا الوضع يحافظ على وجود بؤرة غير صحية في خاصرة مصر العربية وعلى حدود تونس، بؤرة قد يراها الأمريكيون أداة مفيدة لهم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي يجري إعدادها حالياً لشمال أفريقيا.

3. إن انتصاراً ثالثاً للشعب العربي في شمال أفريقيا قد يزيد من ارتباك السياسة الأمريكية وحيرتها. فأن تأتي هزيمة القذافي من خلال عملية قيصرية يتمخض عنها بلد مدمر، مهدد بحرب أهلية قبلية، يتيح لأمريكا أن تجد لها مرتعاً للعب دور أكبر في منابع النفط، وفي خاصرتي مصر وتونس.

ما الذي ينبغي على ثوار ليبيا أن يفعلوه الآن؟

1. عودة الجماهير إلى التظاهر في شوارع المدن الليبية. سواء التي يديرها المجلس الانتقالي أو التي تقع تحت سيطرة كتائب القذافي. فمن الضروري أن تحافظ الثورة على طابعها التغييري المدني.

تمزيق الثورة

2. أن يكف الجميع عن الحديث بلغة مناطقية أو قبلية أو عشائرية، والعودة فوراً إلى الحديث الوطني. فالقذاذفة هم أبناء ليبيا مثلهم في ذلك مثل جميع أهل ليبيا.

3. أن يحافظ الثوار، في تحركاتهم العسكرية، على نهج وروح يتسامون فيها عن أي انتقام أو تقتيل أو تمثيل أو أي ممارسة من شأنها أن تشوه صورة الصراع القائم الآن في ليبيا.

4. أن يصر الثوار صراحة على عدم التدخل، سواء بدخول القوات أو بشن الغارات.

5. أن يلعب المجلس الوطني الدور ذاته الذي يلعبه المجلس العسكري في مصر. أي أنه ليس سوى سلطة انتقالية تعمل على تنفيذ مطالب شباب 17 فبراير فحسب.

الأمر باختصار، هو أن أمريكا تريد “تفويضاً”، لا تلبية مطالب لحركة شعبية لا تعرف أين حدود التغيير الذي ستجريه في أكبر بلد نفطي أفريقي، وأوسع شريط ساحلي متوسطي.

وفي هذا الإطار يمكننا فهم ما قاله كليبر أمام مجلس الشيوخ، فهو جزء متّسق من جوقة ابتزاز رخيص تتعرض له الثورة، قد يثير الهلع في صفوف الثورة، فيقبلون بالتفويض والتدخل كما تراه أمريكا مناسباً.

نعم.. يبدو أن المجتمع الدولي يغمض عينيه حالياً، ومرة أخرى، عن دماء شباب ليبيا.

ماهر الجنيدي

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: