أضف تعليق

في السابع عشر من نيسان.. كنا هناك

منذ ثلاثين عاماً وحتى الآن، لا يمر نيسان بدون أن أذكر، إلى جانب عيد الجلاء، واقعة أشبه بالملحمة.. حدثاً ترك في ذاكرتي صورة رائعة لا تمحى عن بلدة تطل على مدينة طرطوس، وتشرف على البحر، وتتوسط طبيعة خلابة كما يتوسط الله ملائكته في ملكوت النور.

قد أبدو مبالغاً بالنسبة لمن يعرف “حصين البحر“، فهذه هي بقايا الصورة التي انطبعت في ذاكرتي، فأنا لم أزرها منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، وهذا ما حدث.

كنا شلة أصدقاء من حلب، يناهز عددنا الخمسة عشر شخصاً، شباباً وصبايا، تجمعنا أغاني فيروز، ومارسيل خليفة، وجامعة حلب. واستطاع أحدنا أن “يدبّر” شاليهاً أو اثنين في (رواد السياحة) بمنطقة المنطار جنوبي طرطوس، لنقضي بضعة أيام فيه. نعم، إنه الربيع، والطقس متقلب، ولا أمل في السباحة.. لكن الفرصة ثمينة لطلبة جامعة منتوفين لن يجدوا في الصيف فرصة كهذه.

ما أذكره في الشالية هو أنني كنت “مركّزاً” على إحدى زميلاتنا علني أحظى بابتسامة خاصة منها، فأفاجئها بسؤال من هنا أو طلب من هناك، لأنطوي على نفسي بعدها وأسأل نفسي هل أبدو “معلاقاً” في نظرها؟؟ وما أذكره أن “سلام” كانت تلح علينا بضرورة الحصول على طريقة للاتصال بأحد زملائها في كلية الهندسة، والمقيم في بلدة تدعى “حصين البحر”.

تصادف الوقت حينها مع عطلة عيد أضحى أو ربما عيد فطر، ولم يكن من السهل العثور على هاتف عمومي لدى البقالين والسمانين القليلين أصلاً، والمعيدين ثانياً. وحين استطاع أحدنا أن يجد هاتفاً على بعد عدة كيلومترات من الشاليهات، تمكّنت “سلام” من الاتصال بزميلها، الذي ما توانى عن القدوم فوراً إلى الشاليهات ملحاً علينا جميعاً بالانطلاق فوراً إلى “حصين البحر”.

اقتضت اللياقة من الصبايا بأن يتمنّعن وهن راغبات، رغم كوننا جميعاً متشوقين لمغادرة علب السردين التي قيل إنها شاليهات. فتمنّعنا كلّنا على وعد بأن نغشى بلدته يوم الغد. والذي سيصادف أول أيام العيد الإسلامي، فضلاً العيد الوطني لبلادنا- عيد الجلاء، فضلاً عن عيد آخر لم أكن قد سمعت به من قبل، يدعى “عيد الرابع”، يحتفل به العلويون في سوريا كل عام، بمثابة عيد للربيع، مثله في ذلك مثل عيد الفصح لدى المسيحيين، وعيد النيروز لدى الأكراد، وهكذا.

طالب كلية الهندسة وقتها، والذي استضافنا، يدعى شيئاً من قبيل “جوهر جوهر” أو “علي علي” أو “حيدر حيدر”، أو أي اسم تشاؤون. من أسرة ميسورة.

كانت سياراتنا تصعّد باتجاه القرية في طريق أنهكت السيارات، ولعلّنا ترجلنا قليلاً كي نخفف العبء عن محركاتها، حين وقعت المفاجأة.

مسلحون مع عدد كبير من المدنيين أوقفوا الموكب، وطلبوا من بقايا الركب أن يترجّل… وسالت دماء الخراف.

تعالت الهتافات، ولعلعت الطلقات، وحزت السكاكين رقاب الخراف ترحيباً بنا، نحن “الحلبية” الزوار.

ترحيب لا يوصف إلا في روايات نسيناها من ماركيز أو حنا مينة.. أو قصص ربما نسيها أصلاً حسن م. يوسف..

أهازيج ومطربون وفرقة رقص..

احتضنتنا “حصين البحر” ليومين وليلتين.. كانت العبارة الأكثر تداولاً فيهما هي “شاباش لأهل حلب”..

يومان وليلتان ما عرفت يوماً سوريا بأجمل مما كانته فيهما..

يومان وليلتان لهما قصص أخرى..

قصص تذكرها بيوت أهل قرية سعد الله ونوس الذين تسابقوا إلى ضيافتنا.. وصنع الشاي والمتة وتحضير الزيتون واللبنة، وتقديم العرق والخبر والملح، لسبعة عشر شخصاً، قدموا من هناك.. من حلب.. حيث كان الرصاص يلعلع والدماء تنسكب أيضاً في السابع عشر من نيسان

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: