أضف تعليق

خطوتان إلى الوراء خطوة إلى الأمام

يبدو قدر السوريين فعلاً أن يكونوا محكومين بالأمل. أمل يبدو أحياناً ضرباً من التفاؤل الأبله في ظلّ التنكيل. لكنّه بالمقابل كلمة حق، تتجلى أبعادها يوماً وراء آخر، وتتجدد كما المواسم. فللتفاؤل اليومَ أرضيّةٌ خصبة في مشرقنا العربي، يتعدّى قلق البعض المحقّ حيال “الدعسات الناقصة”.

فالوضع السوريّ دقيق، تلوح في أفقه نذر سيناريوات كارثيّة، في مرحلة جديدة تبدو فيها أطراف المسألة تفلت من أيدي السوريين جميعاً. فبعد فشل النظام في “جزأرة” سوريّة، وفي منح جيشه وقوات أمنه صفة المقاتلين ضد الإرهاب والإمارات الإسلامية، وإقدامه الخطر على مراوغة المبادرة العربية، يعطي مؤشراً لا يستهان به على أنه يراهن على التلويح بمخاطر “صوملة” سوريّة، مقابل المساومة على ملاذه الأخير: لبننتها!

تتفق قوى المعارضة وقوى الانتفاضة على أن استمرار النظام، بمعنى إخفاق الانتفاضة في استكمال مهمّاتها، سيكون الكارثة الأسوأ المحدقة بالبلاد والعباد. ومن هنا إصرار المعارضة بكافة تكتّلاتها على ضرورة استمرار التحركات الشعبية، من مظاهرات وإضرابات واعتصامات، وبأي وسيلة سلميّة مبتكرة. ومن هنا أيضاً ميل معارضين إلى عدم إقال باب الحوار مع النظام بشأن كيفية تفكيكه، تفادياً لسيناريوات كارثية أخرى قد يمكن تجنّبها، على الرغم من التساؤل المتشائم القائم دوماً: “هل يرضى النظام بذلك، وهو الذي لم يبدِ إطلاقاً خلال الشهور الماضية كلها أي مؤشر لتقديم ولو تنازل واحد؟”.

يبحث النظام عن التصعيد، فهو سبيله للبقاء. ومن هنا دور التفاؤل ومهمّته: فجذوة الانتفاضة لم ولن تنطفئ. بل ستستمر. واستمرارها سلمياً سيزعزع الأسس العسكريّة للنظام. فالسلميّة هي كلمة السرّ التي من شأنها تجنيب السوريين أسوأ الكوارث، عبر تضحيات كبيرة جداً لكنْ أقل تكلفة بآلاف المرات من أي سيناريو آخر. انتفاضة سلمية تُفقد النظام مع الوقت السيطرة على مرافق الدولة المدنية والعسكرية، وتستعد لتسلّمها. ومعارضة تقدّم جزرة الأمان والعفو مقابل الرحيل خلال مهلة زمنية.

تتطلب اللحظة التاريخيّة الحرجة، والخيارات الكارثيّة المفتوحة، قياداتٍ سياسيةً تنسّق عن كثب مع الانتفاضة، لكنّها تمتلك من بعد النظر ما يجنّبها الخضوع لابتزاز النظام من جهة، ومن الانجرار إلى عفوية الشارع وضغط يومياته. قيادات تمارس اليوم، أكثر من أي وقت مضى، “السياسة” التي تبدو الآن غائبة، ضمن تطورات محكومة أحياناً بديناميكية خاصة يتعذّر معها، أو يستحيل، التنبؤ بمسيرها. فإذا اقتضت الضرورة والسياسة والمصلحة التوجّه إلى إجراء مفاوضات فليكن، وإذا لم تقتضِ فلا. “سياسة” تقتضي، فضلاً عن توحيد صفوف المعارضة، فك الارتباط “التمثيلي” بين المعارضة والانتفاضة.

بعبارة أخرى، فللانتفاضة مسارها الذي يجب أن تسلكه بقواها الذاتية، محافظةً على سلميّتها، محتلّة المواقع التي يخليها النظام. وللمعارضة مسارها الذي قد تضطر فيه للسياسة وللتفاوض، مع استمرار تقديم الدعم للانتفاضة. وفك الارتباط يعفي المعارضة من التشظّي بحثاً عن لقب “التمثيل”، الذي بدا واهياً من خلال حادثتين شهيرتين تفيضان بمدلولات جديّة: اضطرار ميشيل كيلو لشرح موقفه لبعض شبّان “أعضاء المجلس الوطني” الذين لم يفهموا حديثه على قناة روسيا اليوم، واضطرار برهان غليون في اليوم التالي لشرح ما التبس من حديثه لقناة دويتشه فيلّه الألمانية، حين افترض المعترضون على كلامهما سوء نيّتهما أولاً بدون النظر لتاريخهما، وتحرّي حقيقة تصريحيهما.

جناحا المعارضة السورية

جناحا المعارضة السورية

 نعم، فك الارتباط. فالمعارضة معارضة، والانتفاضة انتفاضة. ومحاولة الحفاظ على “التمثيل” تتسبب لكلّ منهما حرجاً وضيقاً في الخيارات. فلماذا التمثيل؟ ألا يكفي التنسيق والتناغم بحيث يمكن لمن يدعم الانتفاضة أن يشارك بها ويحجم عن قول إن المعارضة الفلانية تمثّله، وبحيث يمكن لمن يعمل بالمعارضة أن يمارسها، ويكفّ عن وهم أنه يمثّل الانتفاضة؟ مرةً أخرى، ألا يمكن ذلك مع الإبقاء مع مستوى عال من التنسيق بينهما؟

بدا واضحاً، منذ تموز (يوليو) الماضي أن الانتفاضة أضحت بحاجة إلى تعبير سياسي. لكنها لم تلجأ إلى إفراز هذا التعبير مباشرة من ميدان الحراك، مفضّلة لسبب غير واضح الاتّكاء في هذا على المعارضة، على الرغم من كونها تضم قوى وأحزاباً لا تعوزها القدرة عن إيجاد تعبير سياسي لها، وتمتلك من المؤهلات والكفاءات والقدرات والكوادر ما يتيح انبثاق قيادة سياسية لها، داخلياً وخارجياً، تحظى باحترام عميق من جمهور الانتفاضة.

كما أضحى جلياً أن الاتكاء على رموز المعارضة، من المثقفين السوريين، ينطوي على تفاؤل مبالغ فيه بقدرة هؤلاء على لعب أدوار تنظيمية وأدوار سياسية استراتيجية وتكتيكية وأدوار دبلوماسية، بعد معناتهم قرابة نصف قرن من العسف والاضطهاد والنفي والاختطاف والاغتيال.

تحتاج الأمور، أمام نظام يتصرف بدهاء، إلى مصارحة من هذا النوع. فوحدة الانتفاضة مع المعارضة حلم لم يتحقق، ولن يتحقق. ومن الحكمة، حين يتبيّن الواقع مغايراً للآمال، الكفّ عن الصراع وتبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات، بل النحو باتجاه تعزيز الواقع ورسم طموحات واقعية. ثمّة ملعبان: ملعب الانتفاضة وملعب المعارضة. ملعبان متصالحان جداً، لكنّ كلمة (التمثيل) أساءت إلى مصلحتهما. ملعبان يمكنهما تجاوز أي اختلاف يظهر في وجهات نظر بدون إدانة أيّ منهما للآخر، باعتباره اختلافاً محصوراً في إطار الهدف المشترك: نظام جديد، وسورية مدنية ديمقراطية، وشعب حرّ، وعقد اجتماعي جديد تماماً.

لا يعيب الثورات، حين تستغرق طويلاً، أن تسير خطوتين إلى الوراء كي تسير خطوة صحيحة إلى الأمام، باتجاه تفكيك الخصم، وتحيّن لحظة الانقضاض.

ماهر الجنيدي

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: