أضف تعليق

في الدفاع عن الموالاة

تتهم أطرافٌ في المعارضة السورية أطرافاً أخرى أنها تقدّم خدمة للنظام السوري عبر الشعارات أو البرامج أو “خطط الطريق” التي تطرحها، وتأخذ عليها أنها توضّح للنظام بعض المخارج الممكنة أمامه، ما قد يعينه في الخروج من مأزقه الحالي.

وإذا بدا هذا الاتهام في ظاهره فضحاً لخيانة ترتكبها المعارضة “الثانية” بحقّ دماء آلاف القتلى وعشرات ألوف الجرحى والمعتقلين والمشرّدين، فإنّه اتهام تعتوره نقطتا ضعف أساسيتان من حيث تشخيص الوضع الراهن في الميدان.

تتمثل الأولى في إضمار أن ثمّة بالفعل مخرجاً ينبغي إخفاؤه والتعتيم عليه، بما لا يمنح النظام فرصة النجاة؛ وفي الظنّ الضمني بأن العودة إلى نظام ما قبل 15 آذار ما زال ممكناً، بحيث يفلت النظام الأمني من سقوط محقق.

وتشي نقطة الضعف الثانية بإحساس بالريبة حيال مدى جذرية الانتفاضة التي تحوّلت في الواقع إلى نمط حياة متمرّد يصعب الارتداد عنه، وبنظرةٍ ترى أن من شأن مخاطبة شريحة من الموالاة، وانتزاع تنازل من النظام، وتحقيق مكسب جزئي وتكتيكي للحراك، أن يطفئ جذوة الحراك الشعبي، فيكفّ الشعب عن مطالبه، وتكف الثورة عن إنجاز مهماتها.

وتتجلى نقطتا الضعف في نهج يشكك ببعض الشعارات/ البرامج التكتيكية التي تطرحها رموز تاريخية في المعارضة السوريّة، ويستخفّ بأهمية هذه الشعارات وبالدور الذي يمكنها الاضطلاع به في مخاطبة شرائح من جبهة الموالين للنظام، وفرز وتفكيك جبهتهم، هذه الجبهة التي تبدو حتى هذه اللحظة موحدة ومتماسكة شكلياً على الأقل، بعد مرور نحو أكثر من عشرة أشهر على بدء الانتفاضة. ويرى هذا الاستخفاف وذلك التشكيك مرتعاً لهما في أجواء أزمة الثقة المستحكمة بين أطياف المعارضة، والتي استطاع النظام الشمولي على مدى نصف قرن أن يزرعها ويكرّسها ويرعاها.

لكن إذا جاز لنا أن نستعير من علم التسويق ما يفيد في حالتنا، نجد أن الشعارات والخطط التسويقية لا تسعى فحسب إلى إضاءة الأهداف أو المزايا التي يتحلّى بها المنتج المحدد المراد تسويقه، بل تسعى فضلاً عن ذلك إلى إيضاح الخصائص التي تجعل هذا المنتج بديلاً متمايزاً عن المنتج السائد حالياً، ومتفوقاً عليه.

ومنه، يتعيّن على المعارضة، في إطار سعيها إلى كسب جمهور أوسع، أن لا تكتفي بطرح شعارات تعزز ولاء جمهورها بالذات لبرنامجها، بل أن تطرح إلى جانب ذلك شعارات تجعلها بديلاً أفضل لدى الجمهور الآخر، جمهور الموالاة، الذي يرى أن ثمة قضايا لا تطرحها المعارضة في ممارستها اليومية، بل اكتفت بذكرها في بيانها التأسيسي، وانبرت بعد ذلك إلى اللهاث وراء طروحات الشارع وهتافاته.

وبعبارة أخرى، تقتضي الحنكة من المعارضة “الأولى” أساساً أن تتغلب على هواجسها. خصوصاً وأن طرح مبادرات سياسية واقعيّة، في إطار الشعارات المدروسة، بعيداً عن أي نزعة شعبويّة، قد يعفي سوريّة من خوض مآلات دموية ودفع فاتورة قاسية تجرها إليها سياسات الأجهزة، التي وجدت- منذ اليوم الأول للمظاهرات- في الحشد الطائفي وفي التلويح بالاقتتال الأهلي الدموي وبالتدخل الخارجي وبانقسام البلاد الأسلوب الوحيد لوأد الحراك الشعبي وقمع المظاهرات.

وإذا شئنا تجنّب داء التشكيك بالنوايا، فإن هذا بالضبط ما تحاول بعض أطراف المعارضة “الثانية” أن تتصدّى لإنجازه، مستندة إلى حقيقة أن ثمة شريحة موالية واسعة وفاعلة بدأت تبدي انتقاداً تتطور جديّته للنظام ولأسلوبه في معالجة المسائل المطروحة أمامه. وأن هؤلاء ليسوا شبّيحة ولا أجهزة أمنيّة، كما لم تتلوث أيديهم بدماء السوريين ولا بالمال الحرام، بل يشكّلون شريحة واسعة نسبياً، استفادت من اعوجاج النظام خلال المرحلة الماضية.

إنها شريحة تأمل أن ترى في سورية الجديدة الموعودة مكاناً مقبولاً لها، بدلاً من الجحيم الذي قد تُحشر به فيما لو استمرت على موقفها، وفيما لو استمر النظام بالمغامرة بمصالحها بل وبوجودها. وهي بالمناسبة شريحة عابرة للطوائف والقوميات والطبقات والإثنيات والانتماءات المناطقية والحزبية، تشمل كثيراً من البعثيين، بل وبعض من يطلقون على أنفسهم معارضة “الطريق الثالث”، وما سواهما من تدرّجات الموالاة. إنها باختصار بحاجة إلى سماع شعارات تطمئنها قبل كل شيء، حتى يتم تحييدها، أو ربما اجتذابها، بما يسهم في تخفيف الفاتورة الدامية للسيناريو المغامر.

ثمة في الواقع تقصير في طرح الشعارات المدروسة من جانب المعارضة “الأولى”. وهو تقصير لا يكتفي بكونه يترافق مع توجيه أصابع الاتهام إلى شعارات المعارضة “الثانية”، بل يتعدّاه إلى الامتثال لهتافات الشارع النابذة التي قوبلت خلال الفترة الأخيرة باستياء غير مسبوق من جانب قسم واسع من جمهوري المعارضة والانتفاضة، أعاد إلى السطح ذلك التساؤل عن نزاهة الاستفتاء الذي تجريه إحدى صفحات الفيسبوك لتسمية أيّام الجمعة، ومدى هيمنة مجموعة غير صغيرة من الفيسبوكيين، بأسمائهم الحركية المنحولة، القادرين على أن إمالة كفّة الاستفتاء دوماً، وحرفه عن أي شعار مدنيّ حداثي ينير جانباً من المستقبل المشرق الذي ينتظر البلاد.

فباتت “الدولة المدنيّة” مثلاً مسألة محلّ نقاش، يحسمها استفتاء فيسبوكي على اسم أحد أيام الجمعة.

(كتبت في 23 كانون الثاني 2012).

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: