تعليق واحد

عن موت ثورة ونظام

غازي دحمانبقلم: غازي دحمان

بدأت تظهر جملة انتقادات حول أداء الثورة السورية، عبر التركيز على أخطاء بعينها، والهدف محاولة تقويم هذا الأداء وصولاً إلى اكتمال الصورة المثالية للثورة، أو أقلّه من باب الخوف على الثورة ومصيرها لدى أصحاب النيات الحسنة، أو من منطلق الشماتة بالثورة وأنصارها ومحاولة إعادة تعويم النظام الساقط سياسياً وأخلاقياً.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، أين هي الثورة التي لا يزال البعض يخاف عليها ويسعى إلى تقويم مساراتها؟ أين ناسها وفعالياتها؟ وفي المقابل، أين هو النظام؟ وهل بقي فيه عضو يمكن إعادته إلى الحياة، أين مؤسساته وقوانينه ونظمه؟

ثمة حقيقة باتت راسخة اليوم في سورية، وهي أن الثورة والسلطة ماتتا على الأرض السورية ودفنت جثتاهما ولم يعد أحد قادراً على رؤيتهما، وما هو موجود على الأرض ليس سوى كيانات (استطالات) لا علاقة لها بمكونات السلطة ولا الثورة.

ماتت الثورة السورية تحت عسف وقهر وجبروت العصابة الحاكمة وكثافة نيران الجيش الوطني وحقد الشريك في الوطن وجبن الآخرين وتخاذلهم، والتواطؤ الدولي والإقليمي عليها، ونتيجة انتهازية من تصدوا لتمثيلها، في الداخل والخارج، كما دُمرت بيئتها، وشُتّت ناسها. ومات النظام يوم أصر على أن يغتال الثورة بهذه الطريقة الوحشية.

قتلته تقديراته الخاطئة، ونزوعه العنفي، وغباء مسؤوليه. ظن أنه في اليوم الذي يعمم فيه الفوضى يكسب أياماً تالية في السلطة، وتجرد من كل الأردية التي تحجّب بها طيلة أربعة عقود، فانكشف جوهره: نظام كان يخبئ الأسلحة ليقتل بها أبناء سورية، ويدرب الشبيحة والزعران ليبطشوا بالبلد ويحرقوها، ويبني علاقات مع «حزب الله» وملالي إيران، ومافيات الحكم في روسيا، ليستدعيهم لقتل فلاحي سورية وعمالها وفقرائها.

مات النظام، ومعه ماتت الدولة. لم يبق منها إلا اسمها الذي لن يطول به المقام قبل أن يتم تقاسمه بين سورية الشمال وسورية الجنوب، ومثلهما في الغرب والشرق، تماماً كما هو حال علم سورية الذي صار، حتى هذه اللحظة، ثلاثة أعلام، واحداً رسمياً وآخر استقلالياً وثالثاً كردياً. وفي التاريخ السوري أعلام كثيرة ما زالت مخبأة ويجرى العمل على إعادة رسمها. مات النظام، من نسمع أخبارهم اليوم ونشاهد أفعالهم، هم مجموعة من القتلة يعملون لحساب شخصيات قريباً ستطلبهم المحاكم الدولية بوصفهم مجرمي حرب، وهؤلاء أصبح مستقبلهم خلفهم ولا يمكن أن يعودوا ويصنعوا دولة ونظاماً. وماتت الثورة، فمن نسمع أخبارهم ونشاهدهم اليوم جماعات تعمل بدافع غريزة البقاء أو حماية العرض والدم، أو حتى الانتقام من قاتل الولد وحارق المنزل والمتجر والبيدر، وهؤلاء ليس لدبهم ترف اتباع السلوك الثوري ومراعاة النظام القيمي والأخلاقي الذي تشترطه الثورات وتتبناه.

مات الإثنان يوم تخلى عنهما الأكثر حكمة فيهما، يوم قُتل أنصار الثورة المدنية أو غيّبوا وفر الآخرون، ويوم انشق عن النظام الأقل عنفاً فيه والأميل إلى الفهم والتفاهم. عندها احتل الميدان أصحاب المرتبة الثانية، احتياطيو القتل والدفاع، ما جعل البلد يخوض حرباً بالأسلحة البيضاء والحمراء والسوداء، ولا عزاء في سورية ولها.

 نشرتها صحيفة الحياة اللندنية في 8 سبتمبر 2012

للعودة إلى مقالة: عن حياة ثورة ونظام، انقر هنا.

Advertisements

One comment on “عن موت ثورة ونظام

  1. […] ← عن موت ثورة ونظام الإسلاميون والثقافة- أصالة الفعل الثقافي → […]

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: