أضف تعليق

في انتظار يوم مشرق آخر.. حكاية الموت ولا المذلّة

تحت عنوان “عذراً يارفاق.. غيّرت رأيي”، كتب Ghassan Yasin على صفحته الفيسبوكية في الساعة الأخيرة من يوم الخميس 13 أيلول (سبتمبر) 2012، ما يلي:

“مساء الإثنين الماضي التقيت الأخضر الإبراهيمي برفقة مجموعة من السوريين تخاف على مستقبل سورية. قبل وخلال اللقاء كنا متفقين على ضرورة وقف حمام الدم بكل الوسائل المتاحة، وعلى أن أيّ حل سياسي يضمن رحيل بشار الأسد وانتقال السلطة للسوريين عبر مرحلة انتقالية يشارك فيها الجميع سيكون حلاً مقبولاً من قبل السوريين جميعاً، سواء كانوا من المشاركين بالثورة أو من بقية الأطراف”.

وأضاف:

“بعد خروجي من الاجتماع علمت باستشهاد اثنين من أخوتي.. سألت نفسي بعدها ما نفع الثورة إن لم نحاسب القتلة؟ وكيف لنفوسنا أن تهدأ بدون القصاص العادل؟”.

وانتهت الرسالة إلى اعتذار وطلب:

“لذا أعتذر منكم يا أصدقائي في تلك الجلسة. لن أقبل برحيله! وأريد القصاص من كل المجرمين، ورأس بشار في المقدمة، حتى لو دفعت حياتي ثمناً!”.

غسان ياسين، الشاب الحلبي، والمعتقل السابق، الذي يبلغ من العمر 36 عاماً، عُرف بكونه الوحيد الذي تجرأ وهو داخل سوريّة على المشاركة الهاتفية في برنامج “البلد بارك” الذي عرضته قناة “أورينت” حول يوم الغضب السوري. وقبل فراره من سورية، تكرر اعتقاله في آب (أغسطس) 2011، بعد أن كتب على صفحته تعليقاً قال فيه: «هم يطاردون عصابات مسلحة مجهولة، ونحن سنطرد عصابة واحدة معروفة»، التعليق الذي أعاد نشره عدد من أصدقائه، ليزجّ بعدها بأيام في أحد معتقلات الأمن السوري في حلب، وليقضي فيها بضع أسابيع.

***

والحال أن هذه ليست حالةً نادرة من التحولات التي تطرأ على مواقف الناس خلال حياتهم اليومية العادية. وليس القصاص وحده هو ما يدفع السوريين إلى تغيير مواقفهم. بل ثمة دافع آخر لعلّه أشد تأثيراً في تحولاتهم. إنه الجحيم الذي ينتظرهم في حال استتبت الأمور للنظام.

فالعديدون باتوا يمضون اليوم نحو مصير لم يكن وارداً لديهم مناقشته، أو مجرد التفكير به، بالأمس القريب، أو ربما البارحة مساء.

***

في جلسة نموذجية عُقدت أوائل أيلول 2012 في مقهى شعبي في حي “الأشرفية” في حلب- الحيّ الذي يضمّ خليطاً عرقياً إثنياً واسع الطيف- نظر أحد المحاميين في ساعته، وقال لجليسه الذي جاء مصادفة إلى المقهى ليأخذ “نفَس أرغيلة” قبل حلول يوم الجمعة الذي سيحبس الكثيرين في بيوتهم: “أنتظر مجيء (ح.ع). اتّصل بي قبل ساعة وقال لي إن أمراً مهمّاً يتطلب اللقاء، وحدّثني عن شيء لم أستوعبه يتعلق بالوداع”.

(ح.ع) هو أيضاً محامٍ مخضرم، أمضى في المهنة أكثر من خمسة عشر عاماً، ما يعني في مدينة مثل مدينة حلب أنّ لديه من الشهرة والكفاءة والمردود الماديّ المجزي ما يتناسب مع سنوات خبرته من جهة، ومع كونه شخصاً محبوباً خدوماً في الحيّ الذي يقطن فيه، ولدى أبناء الناحية التي ينحدر منها.

وصل إلى المقهى، حيّا زميليه المحاميين، ثم جلس على كرسيّ جلسة من سيرحل عاجلاً:

“جميل أنني رأيتكما معاً لأودّعكما.. أنا مغادر إلى صلاح الدين”.

“صلاح الدين” هو الحي الذي سيطر عليه الجيش الحر في مدينة حلب. وهو معقل من معاقل العمل الثوري المسلّح ضد الجيش النظامي الذي يقصف ويدمر أحياء حلب.

وحين لاحظ علامات الدهشة والاستغراب على صاحبيه، أوضح:

“وصلنا اليوم صباحاً أن أخي الصغير (س) استشهد ليل البارحة في صلاح الدين، تعرفون أنه ترك الجامعة وانخرط في الجيش الحر منذ مدة، بعد أن استشهد صديقاه في المظاهرات”.

“ولم يعد من الطبيعي بعد استشهاده أن نقبع في بيوتنا بانتظار قدرنا الذي لا بد أن يأتي على شكل اعتقال وتشبيح وتنكيل وإهانات لن نتحملها. نعرف كيف سيكون الأمر. سيستبيحون أعراضنا. سيغتصبون نساءنا وربما يقتلوننا أمام أطفالنا. هذا إذا لم يقتلوهم معنا. سيحرقون بيوتنا ويدمرونها فوق رؤوسنا”.

“لذا قرّرنا دون تراجع.. أنا وأخواي.. أن نمضي ثلاثتنا مع عائلاتنا اليوم إلى صلاح الدين. لن ننتظر حتفنا. سأمضي وسأمسك أنا قيادة المجموعة التي كان يقودها أخي. جميعهم شبه أميين. ولن يتمكنوا من قيادة ذاتهم. أو سيتحولون شيئاً فشيئاً إلى جناح قتالي آخر غريب تماماً عن روح الثورة”.

وأنهى حديثه بابتسامة:

“غداً الجمعة.. والشغل كثير.. هاتِ لأضمّكما”.

***

كان (م.د) طالباً جامعياً مسالماً. قالوا: “كان بسيطاً نقياً صادقاً متواضعاً، لم نر مثل إخلاصه”. لم يكن نشطاً من نشطاء الحراك الثوري. بل كان في بدايات الثورة يهزأ أحياناً من حماسة زملائه الذين يحدثونه عن درعا، وعن حمص، وعن سورية الجديدة، وعن أن “الشعب يريد إسقاط النظام”.

مع انطلاق حراك الجامعة، بقي متفرجاً لفترة. إلى أن صادف وجوده في كلية طب الأسنان، ودخول الشبيحة إلى حرم الكلية، وشاهد بأم عينه كيف دمروا المخابر، وأبرحوا الطلاب والطالبات ضرباً، وروّعوا الجميع.

كان نصيبه من اللّكمات والسياط كافياً لأن يفرّ إلى منزله، ويجلس مدة أسبوع، ويلازم حجرته وشاشة كمبيوتره، كي يشاهد ما سبق أن شاهد من أفلام اليوتيوب، لكن بعين جديدة.

هو يعرف أصدقاءه النشطاء. ويعرف كيف يتصل بهم. ويعرف الهتاف جيداً. ويعرف ما سيفعل يوم الجمعة المقبل.

“باشر معنا نشاطه السلمي. ولم نعرف اسماً حقيقياً إلى أن استشهد.. شارك في المظاهرات بهمّة لا مثيل لها. وأسهم في بناء الكثير من التجمعات الشبابية بدون أدنى تطلع للقيادة أو التصدر. ظل محتجباً دائماً عن الأضواء إلى أن توجّه للعمل المسلّح، ولم نره بعدئذ إلا في صور استشهاده”.

***

في الصباح الباكر من يوم 1 تشرين الأول (أكتوبر)، يعود Ghassan Yasin ليكتب الرسالة الصاعقة التالية، والتي يوجّهها إلى “كنانة علوش”، مراسلة تلفزيون الدنيا في مدينة حلب:

“من قمت بتصوير جثثهم على أنهم إرهابيون هم أفراد من عائلتي. رأيت وجوههم وعرفتهم جميعاً. بينهم أخ لي وابن عم وابن خالة”.

ثم يطلب منها طلباً أشبه بالمستحيلات الثلاث:

“لا أدري إن كان لديك أطفال، وتشعرين بشعور الأمهات. لكني سأخبرك بأن اقصى ماتتمناه أمي الآن هو أن تحصل على بقايا جثة ابنها الشهيد لتلملها برفق وتضعها في قبر تزوره كل صباح وتسقي الورود من حوله.. هذا أخي ياكنانة ليس إرهابياً ولا عصابات مسلحة.. أنت تعرفينني وتعلمين أنني لست إرهابياً، وربما إن وصلتك كلماتي هذه ستقولين من هذا؟ أنا لا أعرفه!”.

ويختم رسالته بوعد ونصيحة للمذيعة الشابة:

“سنكنس الإرهاب ياكنانة من شوارع حلب وسورية كلها تماماً كما قلت في تقريرك.. وأعدك حينها انني لن أطالب باكثر من محاكمة عادلة بحقك.. وأظن أن أمي ستقول لك حينها لماذا لم تعطوني أشلاء ابني بسام لأدفنه واقرأ له الفاتحة كل يوم جمعة وأزور قبره في الأعياد؟. عليك أن تجهزي أقوالك أمام القاضي ياكنانة.. والأصعب هو أن تجدي حينها جواباً تقولينه لأمي!”.

 

***

إنّه إذن الموت ولا المذلّة.. شعار وخياران وحكايات.

شعار بدأ منذ اليوم الأول للمظاهرات السلمية، مظاهرات الحرية والكرامة، في سوريّة ..

وخياران لم يرغب الشعب بأي منهما.. لكنهما أيضاً خياران لا يعرف النظام للشعب غيرهما.

وحكايات انتشار عدوى الثورة، وتصاعد إيقاعها وقسوتها، وتعدّد أدواتها، بانتظار “يوم مشرق آخر”.

نشرتها صجيفة النهار اللبنانية يوم الأربعاء 17 تشرين الأول. لقراءتها في موقع الصحيفة انقر هنا.

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: