2 تعليقان

«الجماهير» بين الطرب والعلم

English Version

قال عنه هنري كيسنجر يوماً: «لم يسبق لي أن واجهت شخصاً مثله يمتلك القدرة على استخدام اللغة الإنجليزية بإحكام، مستعملاً جُملاً معقدة تضع ذكاء المستمع على المحكّ، وتتركه في الآن ذاته متفاجئاً من براعة المتكلم».

والمقصود من حديث كيسنجر هذا هو أوبري سوليمون مائير إيبان الذي يحيي الإسرائيليون في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) هذا العام ذكرى وفاته العاشرة.

وأوبري، المعروف باسم آبا إيبان، هو الأخ غير الشقيق للرئيس السادس لإسرائيل حاييم هرتسوغ، والمخابراتي العتيد الذي حمل حقيبة التعليم والثقافة في حكومة دافيد بن غوريون أوائل الستينات، ثم نيابة رئيس الوزراء ليفي أشكول حتى عام 1966، قبل أن يشغل من 1966 إلى 1974، منصب وزير خارجية إسرائيل. وهو الدبلوماسي والسياسي الإسرائيلي المخضرم ذو الحضور الثقافي الغنيّ الذي لا يتجسّد فحسب في إتقانه 10 لغات عالمية، بل وفي مساهمته النشطة في الأبحاث والدراسات الصهيونية، وفي ترجماته لبعض عيون الأدب العربي إلى العبرية، لعلّ من أشهرها رواية «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم.

في أعقاب نكسة حزيران (يونيو)، صرّح آبا إيبان شارحاً للإسرائيليين مواقفه «الحمائمية» في مواجهة الصقور بقوله: «أول ما أتيت إلى هنا، كنا نتمتع بمزايا المستضعَفين. أما الآن فنحن نتحلى بعيوب الأقوياء».

بالمقابل، وفي الوقت ذاته تقريباً، كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يصرّح بكبريائه وكاريزماه المعهودة هاتفاً: «لا مجال للخروج مما نحن فيه سوى أن نشق طريقنا عنوة وبالقوة، فوق بحر من الدم، وتحت أفق مشتعل بالنار!».

وفي مناقشة التصريحين، يتعيّن قبل كل شيء القول إن زعماء إسرائيل، على اختلاف مشاربهم، إنما يدافعون بأساليب مختلفة عن دولة عدوانية، وممارسات عنصرية جائرة، تضعهم في خانة أعداء الإنسانية، بغض النظر عن تصنيفهم بين «حمائم» و«صقور»، «ليكوديين» و«عماليين»، فيما تصريحات عبد الناصر، تتناول حقاً مشروعاً وأراضي مغتصبة.

إنما اختلاف النبرة في التصريحين واضح. وهو اختلاف يعكس أكثر من مجرد نمطين متباينين تماماً من التفكير.

يشخّص تصريح آبا إيبان، الذي تولّى حقيبة الدفاع بعد حرب حزيران (يونيو) 1967، مأزقاً وقعت فيه الدولة العبرية بعد «حرب الأيام الستة»، إذ وجدت نفسها في وضع جديد كلياً مع حلفائها قبل خصومها.

فقد كانت الدولة الحديثة، التي لا يتعدى عمرها العقدين، والمطوّقة بمحيط معادٍ، محضَ تجربةٍ ينظر إليها داعموها نظرتهم إلى وليدٍ لقيطٍ يستدعي عاطفة مشوبة بالريبة، أو اختبار مشكوك في نجاحه. وكانت هذه المشاعر المتناقضة حيال «مستضعَفين» مرتعاً أجاد الإسرائيليون فيه كسب التعاطف وبالتالي الدعم، في فترة كثرت فيه التهديدات التي تتوعد برمي اليهود في لجّة البحر. أما بعد الحرب، فقد انكشفت إسرائيل لاعباً ماهراً يمكنه خلط الأوراق، قوياً يحسب له حساب، قادراً يغيّر خرائط المنطقة، محنّكاً يفرض شروطاً جديدة، حاذقاً يمكنه استحداث ظروف لم تكن بالحسبان. فبات الساسة يراجعون مشاعر التعاطف، بل ويتراجعون عنها، لتتحول إلى حسابات عقلانية وفق موازين دقيقة. وهذا هو بالضبط ما قصده آبا إيبان. فقد تغيّرت شروط اللعبة، وبات الأمر يتطلب وقفة من الإسرائيليين يتدارسون فيها حسابات الحقل والبيدر دراسة متأنّية.

وإذا جرى لاحقاً دفع العواطف من دهاليز السياسة وأروقتها لتوظيفها شأناً من شؤون الرأي العام، فإن ذلك كان جزءاً من تحوّل العلاقة من احتضان إلى شراكة، تبدّى في تسابق «الرعاة» السابقين للدولة الناشئة إلى إعادة هيكلة علاقتهم مع إسرائيل القوية، والانتقال بها إلى شراكة ناضجة، استكمل كيسنجر رسم أسسها الجديدة بعد حرب تشرين (أكتوبر) 1973.

وهنا يتبدّى كيف أن تصريح آبا إيبان هذا، الذي تحوّل إلى قول مأثور تتداوله مطبوعات «الحِكَم والأمثال»، يخاطب عقول الإسرائيليين، ويدعوهم إلى التفكير مليّاً في مآلات الأمور وتغيّر المعادلات، ويبسط أمامهم بلغة منطقية مقتضبة حقيقة التحوّل الذي طرأ، ويطرح أمامهم رؤى تحفزهم للتفكير مليّاً في تحديات المرحلة التالية.

بالمقابل، فإن الدعوة الحماسية النارية التي أطلقها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في أحد خطاباته، تمثل نموذجاً لنهج إعلامي كامل اتّبعته الأنظمةُ الحاكمة في مخاطبة شعوبها بعد هزيمتها. وهو نهج يعتمد أولاً على تمويه الحقائق من خلال لغة خطابية تقفز إلى خيالات «شاعرية» لا يمكن تحديد معالمها بدقة.

لا يوجّه عبد الناصر أي دعوة لتدارس الوضع ومن ثم التداول في الحلول ليعقبها اتخاذ القرار، بل يصادر أي فسحة للتفكير حين يقول: «لا مجال للخروج..»، فالشعب بهذا لا يعرف طريقه، ولا يعرف كيف يفكّر، بل إنه يحتاج فحسب إلى مخلّص يدلّه على مخرج «مما نحن فيه»، لا أكثر ولا أقل.

وإذ يستخدم عبد الناصر في هتافه تعبيراً طربيّاً اقتحامياً: «نشقّ طريقنا عنوة وبالقوة»، فإنه يخاطب من خلاله مشاعر منتهَكة، ويمنح أصحابَها تعويضاً لا يتجاوز في الواقع كونه زخماً نفسياً فارغاً. وتبلغ العبارة ذروتها حين يرسم الزعيم الراحل لوحة غايةً في الدموية يلوح فيها «بحر من الدم تحت أفق مشتعل بالنار»، ضرباً من ضروب التخييل البصري المبهر، الذي يعوض النفوس المهزومة نصراً خلّبياً. هذا فضلاً عما تتركه هذه التعابير من انطباعات لدى الرأي العام العالمي، يجيد الإسرائيليون استغلالها.

لا شك أن خطاب عبد الناصر قوبل حينها بالكثير من الهتاف والتصفيق والتهليل، فيما لاقت عبارة آبا إيبان الكثير من التفكير والتأمل وحكّ الرأس وموازنة الحسابات.

ماهر الجنيدي

نشر في ملحق “نوافذ” في صحيفة المستقبل البيروتية. لقراءة النص في الصحيفة المذكورة انقر هنا.

Advertisements

2 comments on “«الجماهير» بين الطرب والعلم

  1. […] By: Maher Al Junaidy                                                                                                                            Arabic […]

  2. […] «الجماهير» بين الطرب والعلم […]

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: