2 تعليقان

مغامرة المدن الأولى

هي إذن “المدن” باتت في متناول الجميع!MODON1

مازلت أذكر جيداً ذلك اليوم الذي وصلتني فيه رسالة تقترح عليّ المساهمة في تشييد حاضرة عربية إعلامية على شبكة الإنترنت. كان دأبنا في مجلة “إنترنت العالم العربي” أن نترصّد المبادرات العربية، الخجولة منها والجريئة، لدخول عالم الشبكة؛ وأن نمهّد الطريق قدر مستطاعنا لأولئك الذين يودون خوض الغمار الإلكتروني المباشر، عبر تسليط الضوء على التجارب والإنجازات العالمية الناجحة، سواء في ميادين التعليم الإلكتروني، أو الصيرفة الإلكترونية، أو التجارة الإلكترونية، أو التشخيص الطبي عن بعد، أو البحوث العلمية، أو التواصل الاجتماعي، أو الصحافة.

لم تكن قد نضجت في تلك الفترة، أواخر التسعينات، عوامل التحوّل الإلكتروني الناجز للأعمال، فكنا نحتفي غالباً بأي “حضور إلكتروني” للمؤسسات أو المنابر الإعلامية العربية، حتى لو كانت تكتفي بعرض هيكلياتها الإدارية، مع نبذة تعريفية عن كلّ فرد من كوادرها؛ ولعلّنا نذكر جميعاً كيف كان الموقع الإلكتروني الخاص بقناة الجزيرة، مثلاً، مجرد بضع صفحات “ستاتيكية” لا تتابع أي أخبار أو مستجدات، بل تكتفي بوضع توضيحات عن المقر وعن العاملين في القناة، قبل أن يتحول الموقع إلى منبر إعلامي قائم بذاته، وله جمهوره، مثله في ذلك مثل القناة التلفزيونية.

iawlogo1هكذا كانت ملامح الوضع الإعلامي العربي على الشبكة، انتقل بعدها إلى مرحلة جديدة. ففضلاً عن الحضور الإلكتروني لمجلتنا “إنترنت العالم العربي” (iawmag.com)، ولبوابتنا التقنية (DITnet.co.ae)، كان للقسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية قصب السبق في اعتماد الإنترنت كمنفذ آخر من منافذها الإعلامية (BBCArabic.com)، فيما بادرت صحيفتا الحياة والشرق الأوسط اللندنيتان، بجرأة، إلى إعادة إنتاج نسختيهما الورقيتين على موقعيهما الإلكترونيين، مع أفضلية نسبية لتقنيات الأولى في مجال، وللثانية في مجال آخر. أقول بجرأة، لأن تقارير السوق التي كانت تأتينا من أميركا وأوروبا حينذاك، كانت تتحدث عن “مأزق جدوى” بدأت تعيشه الصحف العريقة (واشنطن بوست، ونيويورك تايمز مثلاً) التي تنشر محتوياتها على الشبكة، دفعها لتتدارس الكفّ عن مجانية النفاذ إلى نسخها الإلكترونية، وفرض رسوم اشتراك على قرائها، أو العثور على مصادر تمويل أخرى، لا تنعكس سلباً على التزامها بالمواثيق الصحفية، ولا تضرّ بصورتها ومكانتها لدى قرائها.

وحين وصلتني تلك الرسالة، كانت الحماسة “الإلكترونية” في أوجها، عالمياً وعربياً ومحلياً في دبي، خصوصاً مع بشائر السماح بدخول الإنترنت إلى المملكة العربية السعودية، صاحبة أكبر جمهور مقتدر مادياً، ومتعطش للتواصل مع “من” وراء الحدود، و”ما” وراء الحدود؛ إلى جانب النمو المضطرد الذي كانت تشهده معدلات انتشار الإنترنت في لبنان، والخليج، ومصر، ودول المغرب العربي؛ فضلاً عن تزايد العرب المتصلين بالإنترنت من شتى أرجاء العالم.

ajeebهو إذن نداء التطوّر. لم أتردد كثيراً في قبول العرض المغري الذي ينتقل بي من إدارة تحرير مجلة مطبوعة، إلى إدارة “محتوى” مغامرة إلكترونية كبرى تحمل اسم “عجيب” (www.ajeeb.com)، تتطلع إلى استقطاب نحو 120 صحفياً من مختلف الدول العربية، ومن العالم، لإنشاء منبر إعلامي عربي هو الأول من نوعه على الشبكة. منبر إلكتروني افتراضي صرف، لا يؤازره أي حضور آخر، مطبوعاً كان أو على قنوات البثّ الإذاعي أو التلفزيوني. لم أتردد.. فأن تواكب أحدث التطورات التقنية، وتسخّرها في بناء مدينة إعلامية افتراضية لا تمضي بك بعيداً عن دروب الصحافة، هو لعمري غاية أحلام أي صحفي في عالم محموم بدهشة الإنترنت.

وكما يحدث دوماً. راحت السكرة وجاءت الفكرة مع انفجار أولى فقاعات الإنترنت في العام 2000، والتي أجبرتنا على إعادة النظر بنموذج أعمالنا، وبالتالي تقليم الفكرة وتشذيب الآمال وخذلان الطموحات بما يتناسب طرداً مع “جبن” رأس المال، وضعف روح المغامرة. والاستعاضة عن حلم المدينة المشرقة الكبرى بمجرد بيوت صفيح.

فيما على الجانب الآخر من الخريطة العربية، لم تكترث بعض المشاريع بمشاعر الذعر، فعدّلت خطط أعمالها بكثير من الديناميكية، بل وببعض التفريط بمواثيق المهنة الصحفية، واستفادت من تقنيات الصحافة الصفراء في تحويل “مدينتها” إلى “شارع هرم” تملؤه الصور، والشائعات.

هي “المدن” إذن، باتت في متناول الجميع في طبعتها التجريبية!

لا أظن أن “التجريب” سيتلاشى يوماً من مغامرتها. فنموذج أعمالها الافتراضي البحت هذا مازال يثير مخاوف المستثمرين، على الرغم من تغير الأحوال بعد مضي أكثر من عقد على انفجار فقاعة الدوت كوم، باتت خلاله المشاريع أكثر واقعية، وارتفع فيها عدد مستخدمي الإنترنت العرب ارتفاعاً دراماتيكياً.

هي إذن “المدن” باتت في متناول الجميع! وما يطمئن فيها هو أنّ طلائع بنيانها تليق بربيع عربي تعصف نسائمه بمدننا.

Advertisements

2 comments on “مغامرة المدن الأولى

  1. لماذا توقفت مجلة إنترنت العالم العربي؟ إنها كانت أروع المجلات.
    لقد حلمت البارحة أني رأيتها تباع في محل ففرحت بذلك ثم تبين أنه حلم وعندما بحثت في جوجل وصلت إلى هذا الموضوع

    • العزيز ياسر، توقفت المجلة لأسباب عديدة، منها ضعف إيرادات الإعلانات، وتغيّر سياستها التحريرية في السنة الأخيرة.
      أعتقد أن السوق مازال يحتاج إلى مثلها. وأتمنى أن أراها تعود فعلاً.

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: