أضف تعليق

العام الثالث.. الثورة المركّبة

comrev Main

لا يمكن القول إن الثورات العربية التي وعدت بها نسائم الربيع العربي ثورات بسيطة. بل هي ثورات مركبة، متعددة المهام. غير أنّ سيرورتها المتدرّجة في بلدان الربيع العربي عموماً ما كانت لتعاني من درجة التشابك والتعقيد ذاتها التي وسمت ملحمة الثورة السورية.

comrevفي سوريّة، لم يركّز اللاوعي الجمعي السوري على تعقيد المهمات الماثلة في الأفق، فهذا شأن جميع الثورات من تونس إلى اليمن التي خرجت لإسقاط النظام فأسقطته. لكن للحق، فإن ما استطاع هذا اللاوعي الجمعي أن يدركه بوضوح منذ اليوم الأول للثورة هو أنّ التراجع محال. ولعلّ رسالة رياض الترك قبيل بدء الثورة في وداع ما سماه “مملكة الصمت” كانت خير معبّر عن الإدراك الجمعي بأنها درب ذو اتجاه واحد، لا مجال فيه للعودة.

ترى هل هذا مأخذ على الثورة، أو تقصير من الثوار؟

الحال هو أن هذا الإدراك لم يأت من فراغ. فهو مبنيّ على تجربة مريرة مرّ بها السوريون خلال أربعين عاماً، وخصوصاً بعد مجازر حماه ولبنان، انقسمت خلالها رعيّة مملكة الصمت تلك إلى أربعة أصناف أساسية فاعلة: صنف جريح مكلوم صامت أثخنت فيه جرائم النظام تقتيلاً وتنكيلاً وسجناً وسلباًَ وتعدياً؛ وصنف مقهور متألّم مغلوب على أمره، لم تمسسه مباشرة تلك الجرائم، لكن ما كان ليتوانى عن اتخاذ موقف أخلاقي نزيه في مواقعهم؛ وصنف منافق لم يجد حرجاً في الجعجعة الصوتية بضرورة الإصلاح، المترافقة مع استفادة صريحة من فتات موائد فساد النظام؛ وصنف أخير اصطفّ مع النظام سواء مشاركاً في جرائمه أو مصدّقاً بروباغانداه أو مرعوباً من عدوّ داخلي موهوم، تفننت الخيالات في رسم ملامحه. بيد أنها بأية حال أصناف غير مقولبة، إذ يتباين أفراد كل صنف فيما بينهم أخلاقياً وطبقياً ومذهبياً وانتماءً.

لقد كانت مهمات الثورة في أيامها الأولى بسيطة وواضحة للجميع: الكرامة، بما تعنيه من إسقاط الاستبداد، والمواطنة المتساوية، وإيقاف الاعتداء على حقوق الناس وحريتهم وأموالهم، واجتثاث الفساد، والكفّ عن سرقة الدولة.

لكنّ جميع السوريين الفاعلين، من دون استثناء، أدركوا في لاوعيهم الجمعي ومنذ اليوم الأول أنهم بصدد ملحمة. فتوزعت آراؤهم أيضاً في أربعة أقسام، ليست بالضرورة امتداداً للأصناف الأربعة التي سبق ذكرها. قسم ثائر لم يتردد، منذ اقتلاع أظافر أطفال درعا، في المضيّ قدماً في مسيرة الثورة حتى اقتلاع الاستبداد؛ وقسم محجم أذهلته روعة هذه الثورة وبسالتها لكن إدراكه لمدى إجرام نظام اغتصب السلطة على مدى نصف قرن، وما قد يلجأ إليه من ترويع، جعله يحذّر من مآلات دموية تنتظر سوريّة، فلم يشارك فوراً في الثورة بل حثّ على ضرورة العثور على حلول يمنّي النفس بها، رغم إقراره بأنها حلول مستحيلة، فلم يستطع حتى أن يتبيّن ملامحها في ظل التجارب المريرة السابقة؛ وقسم انتهازيّ لم ينظر سوى في مصالحه العاجلة فوقف ضدّ الثورة لهذا السبب، ضارباً عرض الحائط بكل المسائل الأخلاقية التي طرحتها الأحداث المتلاحقة (كان بعضهم يقول إنه ضد النظام أيضاً)؛ وقسم رابع اصطفّ مع النظام، يتكوّن غالباً من معظم أفراد الصنف الرابع من رعيّة مملكة الصمت، بالإضافة إلى بعض المتحوّلين بحكم الزمن من الأصناف الثلاثة الأخرى (منهم سجناء سياسيون سابقون).

comrev2كما أن معطيات الوضع الجيوسياسي السوري كانت أعقد من مسألة شعب ضاق ذرعاً بالاستبداد فمضى يطالب بحريته المسلوبة. فهناك طغمة حاكمة لا ترى في مستقبل البلد سوى احتمالي المزرعة أو المحرقة، وهناك إيران، وروسيا، وتركيا، وهناك أولاً وقبل كل هذا إسرائيل، بطبعتيها العبرية والعربيّة.

تضافرت هذه العوامل المعيقة، الداخلية منها والخارجية، فساهمت في إطالة عمر النظام، الذي لجأ إلى تعديلات دستورية لا معنى لها، وتغييرات وزارية فارغة من أي محتوى، ودعوات إلى حوارات لمعارضة لا يرى أساساً أنها موجودة، مشفوعة بسياسة كذب إعلامي ممنهج، نجحت في زيادة غموض الرؤية داخلياً وخارجياً. بيد أن استطالة عمر النظام حوّلت الوضع إلى أشبه بدمّلة متقرّحة تتيح للجراثيم بأن ترتع في البلاد. فكان قدر هذه الثورة أن تجابه، قبل إنجاز انتصارها، عقبات كأْداء أخرى، لتصبح ثورة مركّبة ومتشابكة.

لعلّ ما تحتاجه سوريّة اليوم هو النموذج البديل المأمول عن سورية الجديدة على أي بقعة تراب وطني حرّ.

هل هو قدر الثورة السورية أن تحلّ مسألة الدولة العلمانية، ومسائل التعدد القومي والثقافي والديني، ومسألة الدستور، ومفاهيم الهوية والمواطنة، والعلاقات مع دول الجوار؟ هل هو قدرها أن تعالج قضايا الإغاثة الإنسانية ومسائل النازحين في وطنهم، ومشاكل اللاجئين في الدول المجاورة ودول الشتات؟ بل وأن تعالج الأمراض النفسية لهذا وذاك داخل المعارضة وخارجها؟ وأن تفكّر في مهمات اليوم التالي، وضبط السلم الأهلي، ووحدة التراب الوطني، ولجم حالات الانتقام المحتملة؟ هل هو قدرها أن تتصدى لهذا كله، تحت وقع هولوكوست جديد، وظروف جحيمية، من قصف، وإبادة جماعية، وانعدام شروط الحياة الأولية؟

يبدو بعد عامين، أن الجواب: نعم!

 نشرها ملحق “نوافذ” في صحيفة المستقبل البيروتية في 17 آذار/ مارس 2013- (العدد الخاص بالذكرى الثانية لانطلاقة الثورة السورية، بعنوان: “سنتان على آذار سوريا.. ربيع مخضّب بالدم وانتصار مؤجّل فصل من الذاكرة دمشق صرتنا وحبل سرتنا”).

?????????????????

لقراءة المقالة في موقع الصحيفة انقر هنا.

 

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: