تعليق واحد

الشيعة تحت وطأة التاريخ.. وطأة السلاح

أطلّ العلامة السيد محمد حسن الأمين في مقابلة تلفزيونية بثّتها قناة المستقبل يوم الأربعاء 6 آذار (مارس) 2013، ليعيد تفكيك ما تشابك من أفكار، ساهمت في تعقيدها مجموعة المواقف التي صدرت عن “حزب الله” وماكينته الإعلاميّة، وفي مقدمّها رأس الحزب السيد حسن نصرالله.

P&Mقد يتوقّع المشاهد، حين يتابع مقابلةً مع الشاعر والأديب والباحث والمفكّر، أنه سيمضي ساعة من الفرجة الثقافية الممتعة المتنوّعة، التي تجوب به، كما في المقابلات واللقاءات السابقة، بين إشارات أدبية هنا، ورؤى فكريّة هناك. لكنّ هذه المقابلة، التي أدارتها باقتدار باولا يعقوبيان، جاءت مختلفة عن ذلك، إذ التصقت بالراهن، مع بعد فكري غيّبته قرقعة السلاح.

فعلى الرغم من محاولات تنسيقها في محاور، إلا أن الطبيعة الاستثنائية للّحظة الراهنة فرضت نفسها، فجاءت المقابلة كلاً متكاملاً غير قابل للتجزئة. فنحن أمام لحظة خطرة مركّبة جغرافياً: سوريّة- لبنانية- عراقية؛ ومركّبة وطنيّاً: دينيّة- مدنيّة- مواطنيّة؛ ومركّبة مذهبيّاً وميدانياً: شيعيّة- سنيّة، اختلطت فيها أوراق الفقه بأوراق السياسة، وفاحت من بعض العمامات روائح البارود.

وفي لحظة كهذه، أدرك السيد الأمين أن الوضوح هو الحل. إذ لا مجال أمام أنصاف المواقف، ولا أمام التوفيق والتلفيق في زمن تحدث فيه حسن نصر الله عن أيّام قليلة لاشتعال الفتنة الكبرى، وكذلك لا حاجة للمجاملة بأكثر مما تستلزمه حدود الكياسة واللباقة والآداب السياسيّة.

وبقدر ما هي اللحظة مركّبة، والمواضيع متشابكة، والأوراق مختلطة، تبيّن منذ اللحظة الأولى من اللقاء أن المواضيع مترابطة حقاً. فهل يمكن فصل مخاوف اللبنانيين من عودة الحرب الأهليّة عن استمرار أمراء الحرب في مصادرة المشهد السياسي اللبناني؟ وهل يمكن فصل هذا عن آمال اللبنانيين ببناء الدولة الجديدة- دولة المواطنة؟ وهل يمكن فصل هذا عن ميل بعض السياسيين اللبنانيين إلى المغامرة والدفع إلى شفير الصدا”؟ وهل يمكن فصل ذلك عن تصريحات رئيس الوزراء العراقي والأمين العام لحزب الله؟ وبالتالي سوريّة؟ وبالتالي التطرّف؟

يقدّم السيد الأمين منظومة متكاملة بديلة عن المنظومة الفكريّة التي يستخدمها حزب الله، فيسحب البساط من تحته في جميع المسائل الحيوية التي تشكّل أساس بروباغندا حزب الله:

  • ففي المشهد اللبناني يضع السيد الأمين السلاح جانباً. ويعوّل تحديداً على القاعدتين الشعبية والسياسية في صيدا التي لن تسمح لأن تكون منطلقاً لأي شكل من أشكال الفتنة. كما يعوّل على استمرار تدجين حزب الله، ونقل مهمّة المقاومة إلى الدولة وإلى كل اللبنانيين.
  • وفي النظر إلى الحركات الإسلامية السنيّة المتشدّدة، بأنها “في بعض وجوهها” تعبير عن عدم الرضى عن ما يصدر عن بعض الشيعة وعن حزب الله، وعن يوم 7 أيار “المشؤوم”، الذي أبقى بعض الجراح المؤلمة في “جسد بيروت وصيدا”.
  • وفي الفكر السياسي، يؤكد الأمين أن الدولة شأن بشري، ينبغي فصل الدين عنها، لأن الإسلام دين وليس دولة. ولا تملك سلطة الوليّ الفقيه- مثلاً- أي حق إلهي تدّعيه، فهي شكل من أشكال الاستبداد غير الشرعي أساساً بل وغير الإسلامي أساساً.
  • وفي الربيع العربي، يرى السيّد أنه البداية الحقيقية للخروج من دائرتين: دائرة الاستبداد الممثلة بالأنظمة العربية، ودائرة التكفير المتمثلة بسلوكيات موجودة. إذ ليس لدى السيّد هواجس تكفيرية تتعلق بالربيع العربي، فهذا الربيع يدعو للتفاؤل بأننا سنحقق النقلة النوعية ما بين نظام ما قبل الحداثة- القبلية العشائرية وما شابه- إلى النظم الحديثة التي يكون فيها الاعتدال، والاعتدال الديني من بينها، سيد الموقف.
  • وفي النظرة إلى إيران، فهي ليست سوى دولة تعمل لمصلحتها، فيما على الشيعي أن يكون مواطناً، وأن يعي أن التزامه الوطني وتمسكه بوحدة شعبه وإقليمه هي الضمانة الحقيقية له. أما إيران، فلها أهداف وتطلعات سياسية، وهذا لا يرغم الشيعة في كل مكان أن يكونوا أتباعاً.
  • وأولاً وأخيراً في فلسطين، يرى السيّد أن الربيع العربي مسكون بقضيتها، وأنّ أي إنجاز حقيقي في مجال التحرر الداخلي هو إنجاز في سبيل مواجهة القضية الفلسطينية مواجهة حقيقية وعقلانية.

يسهب السيّد الأمين في تشريح اللحظة السورية، ويطرح عدداً من النقاط التي تنسف الغطاء المذهبي الذي يرتديه الحزب حين يسأله: بأي وجه يمكن للشيعي- إذا أراد أن ينطلق من هويتيه وعقيدته الشيعية- أن يقف مع نظام سياسي ضدّ شعبه، الذي بدأ بتظاهرات سلمية صرف، ولم يحمل السلاح باختياره؟ وما كانت القوى المتطرفة في الثورة السورية، وجبهة النصرة، لتبرز اليوم لولا إصرار النظام على إجهاض الثورة السورية بواسطة السلاح.

هي إذن ليست حرباً مذهبية في سوريّة، ولم يستطع النظام حتى الآن أن يجعلها حرباً طائفية، مهما حاول أن يستغل مقام السيدة زينب استغلالاً رخيصاً. والشيعي لا يكون شيعياً حقيقياً عندما يقاتل شعباً يلاقي ما يلاقيه من الأهوال، ولا وطنياً حقيقياً، بل متواطئاً على أخلاقه ودينه ووطنه.

يوجّه السيّد الأمين رسالة واضحة المعالم إلى حزب الله: يجب أن تعلم أن ما يجري في سورية هو ثورة، وليس مؤامرة كونية. إنها إرادة شعب. ولتتخذ طريقك إلى الوقوف إلى جانب هذا الشعب، ولتتذكّر أن هذا الشعب هو الذي استقبل في 2006 اللبنانيين وقاعدة حزب الله، وفتح بيوته لها، وكان كريماً معها.

لقراءة الجزء الثاني من التدوينة، انقر هنا.

Advertisements

One comment on “الشيعة تحت وطأة التاريخ.. وطأة السلاح

  1. […] ← الشيعة تحت وطأة التاريخ.. وطأة السلاح […]

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: