تعليق واحد

يا رفاق الخير.. ارعووا!

عبد العزيزلعلّه من أخطر اعتقالات النظام، إن لم يكن أخطرها على الإطلاق! فهو يدلّ على أكثر من أنّ السلطة “غير جادة بما تطرح من آراء وأنها تعلن غير ما تبطن”، على حد قول حسين العودات، العضو السابق في المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق.

فقد مضت أكثر من ستة شهور على اعتقال الدكتور عبد العزيز الخيّر، القيادي البارز في «حزب العمل الشيوعي» وفي «هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديموقراطي» في سورية، مع رفيقيه إياس عيّاش وماهر طحّان، في الطريق إلى دمشق بعد وصوله مطارها قادماً من زيارة إلى الصين.

يكاد يتفق جميع من عرف الخيّر، المناضل المخضرم المولود في العام 1951 الذي انحدر سياسياً من مجموعة صلاح جديد، على سماته الشخصية الدمثة المميزة، وخصال الفرسان التي يتحلّى بها، فضلاً عن إقرار رفاقه في حزب العمل الشيوعي، بالدور الحيوي الذي اضطلع به في استمرارية هذا الحزب، وفي إعلان دمشق لفترة، ومن ثم في تأسيس «هيئة التنسيق» التي حاولت أن تخطّ طريقاً ينأى بها عن أرض الثورة ومنعرجاتها، ويقدّم للنظام حلولاً لم يثبت النظام يوماً أنه في وارد مناقشتها.

كما يتفق عديدون على أن الدكتور الخيّر، الذي وقع في كمين الاعتقال الأول في 1992 بعد ملاحقة استمرت 12 سنة ليمضي في السجن 13 عاماً منها ثمانية أعوام في ظل الأسد الإبن، يمثل حالة استثنائية مهمة في تشكيل “صورة” الصراع الديمقراطي مع النظام. ليس فحسب لكونه سليل أسرة علويّة وجيهة تحظى باحترام واسع في الطائفة ومنطقة الساحل السوري، وليس فقط لأنه ابن مدينة القرداحة معقل آل الأسد، بل ولأنه بهذا كلّه مثّل نموذجاً قادراً على أن يميط اللثام عن جوهر طائفية النظام من جهة، ويمتلك مقوّمات يمكنها أن تعرّي من جهة أخرى أي صبغات طائفية في المعارضة، وخصوصاً ضمن الطائفة ذاتها.

بعد انطلاقة الثورة السورية، واتّباع النظام نهجاً أمنياً قمعياً في مواجهتها، اختار الخيّر أن يمضي بحزبه إلى المشاركة في تأسيس «هيئة التنسيق» في 30 حزيران (يونيو) 2011، باعتبارها جامعاً لكثير من أطياف المعارضة، ورهاناً هادئاً على استثمار الثورة في دفع النظام إلى تحقيق انعطافة في طبيعته، تمهيداً إلى تغييره.

بقيت «هيئة التنسيق»، التي ضمّت- للغرابة- أحزاباً وُصفت بأنها تشبيحية مرتبطة بأجهزة النظام من قبيل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، متخلّفة بخطوة واحدة على الأقل عن شعارات الثورة التي فرضتها وقائع الأرض، باحثة عن منفذ للوصول إلى المفتاح السرّي الذي يليّن مواقف النظام، وتدفعه إلى الحكمة، وإلى قبول خطتها في التغيير الديمقراطي. وكان من المنطقي لها، وفق رؤيتها، أن تبحث عن هذا المنفذ لدى شركاء النظام الخارجيين: موسكو وطهران وبكّين.

لم يكن عبد العزيز الخيّر راضياً عن الأداء الإعلامي السمج لقادة «هيئة التنسيق» الداخليين والخارجيين، الذين برزوا كمثقفين ذهبيين يتحدثون من برجهم العاجي عن أمنيات، أو ربما أوهام، لا تتصل بواقع تجلّى واضحاً أكثر من مرة، يتلخّص بأن النظام غير مستعد للمساومة على أي انزياح في هيمنته الأمنية المتحكّمة برقاب جميع السوريين. بل قيل إن الخيّر توصّل إلى اتفاق مع المنسق العام للهيئة حسن عبد العظيم، وسحب منه وعداً بعدم ظهور الأخير إعلامياً، وبعدم إدلائه بأي تصريح، كي لا يقوّض جهود «هيئة التنسيق» الرامية إلى كسب احترام الشارع الثائر، أو أقلّه المحافظة على حد أدنى من التواصل معه. وهو الاتفاق الذي خرقه، مع أول طلب وصله لتقديم تصريح إعلامي، المحامي الثمانيني الذي لم يجد تعريفاً بالأستاذ “ماهر طحان”- الذي اعتقل صحبة الخيّر والمهندس إياد عيّاش- سوى أنه “ابن أم ماهر”!.

ترى هل تمكّن الخيّر، الطبيب الذي تخرّج من جامعة دمشق في 1976، من تشخيص مرض القوى السياسية التقليدية التي استنفذت صلاحيتها مع انطلاقة أول هتافات مظاهرات درعا؟ وهل تحقق من عقم محاولات المزاوجة بينها وبين الثائرين؟ وهل كان يسعى من شعار “لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الأجنبي” أن يضع حدوداً أخلاقية تدين أولاً النظام الذي يمارس العنف والطائفية ويستقوي بالخارج؟

متوجهاً للمشاركة في مؤتمر إنقاذ وطني انعقد في دمشق بعد أن جرى بحث نقاطه مع روسيا وإيران والصين، اعتقل الرجل في خطوة أقل ما يقال فيها إنها نجحت في بتر أي محاولة لتدخّل سياسي داخلي في تقرير مصير النظام، وفي إخصاء «هيئة التنسيق» تماماً وإفقادها قدرتها عن أي فعل، وإجهاض أي محاولة لوصل ما انقطع بين الثورة و«هيئة التنسيق» التي فشلت منذ أشهر نشوئها الأولى عن مواكبة سيرورة الأحداث حتى بعد انتقال النظام من الحل الأمني إلى اعتماد الحل العسكري التدميري، وتعالت بعقلية قادتها المتآكلة المهجورة على الشباب الثائرين في شوارع مدن سورية وأريافها، وزج بها نهجُها النخبوي في نفق مظلم من المماحكات السياسية غير المجدية، التي انتهت باعتقال الخيّر.

مكامن خطورة اعتقال الخيّر هي ذاتها نقاط تميّزه الحركي، بدءاً من ديناميكيته ووصولاً إلى مسلكياته الأخلاقية النضالية التي جعلته يربأ بنفسه عن الانزلاق في وحل المهاترات مع قوى المعارضة الأخرى الأكثر تشدداً ويضبط بوصلة رفاقه؛ وهي ذاتها نقاط تميزه الشخصي أيضاً، بدءاً من خصوصية مسقط رأسه وصولاً إلى شتى انتماءاته التي اختارها (السياسية) أو التي لم يخترها (الطائفية)؛ وهي أيضاً – وبالأهمية ذاتها- نقاط تميز علاقاته الدولية، والتي تنطوي على مجرّد احتمال بأن تجعل منه وجهاً بديلاً للنظام، مقبولاً لدى أكثر أطراف اللعبة الدولية الحليفة للنظام.

بيضبيد أنّ المفاجئ في الأمر هو هذا الصمت المكثّف عن اعتقاله، دولياً وإقليمياً. وإلى حدّ بعيد من “رفاق” أضاعوا بوصلتهم، فاقتصر تضامنهم معه بضجة إعلامية محدودة مصبوغة طائفياً سرعان ما خفتت، ضجّة تناست كل خصاله وسماته وجهوده، ليختزلوه بصورة بكائيّة تُعرض على البطيء لشخص تلقّى لكمة حمقاء ورشقات بيض بغيضة، بالنيابة عن «هيئة تنسيق» مهزوزة القيادات والشعارات، في اجترار لحادثة اعتداء أثيمة مدانة جرت قبل تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 في القاهرة.

إن بعض الظن إثم. لكن يبدو حقيقياً، مرة أخرى، كلام العودات الذي وجد أنّ من الغريب والمستغرب أن تكون هيئة التنسيق “متهاونة بل ومتراخية في موقفها من اعتقاله. حيث اكتفت بالتعبير عن رأيها بالبيانات التي لم يقرأها أحد، حتى ظن البعض أنها متخاذلة والبعض الآخر أنها أكثر من ذلك”.

ربما لم يسمع معظم السوريين باسمه قبل الثورة. وسجون سوريّة تمتلئ بعشرات آلاف المعتقلين الذين يستحقون التضامن معهم فرداً فرداً. لكنّ لاعتقال عبد العزيز الخير، وتغييبه، أبعاداً عالمية وإقليمية وداخلية تستحق الدراسة وكشف النقاب عنها. وصمت النظام يعني أنّ مصير الرجل في خطر محدق. إنه يستحق من رفاقه أن يحجموا عن لوك وتلويث اسمه والعراك مع ذباب وجوههم وأن يبادروا إلى إطلاق حملة عالمية كبرى للإفراج عنه أو الكشف عن مصيره فوراً، حملة تكون مناسبة للتضامن مع الثورة والشعب السوري الثائر والتنديد بجرائم النظام؛ إنه يستأهل حقاً أن يقلعوا عن محاربة طواحين الهواء، والزجّ بسمعته في ترّهات العداء للثورة واستعار الحمّى الطائفية بنكهتها اليساروية العلمانوية الممانعة، لينبروا إلى وضع الدول الشريكة للنظام أمام استحقاقاتها الأخلاقية في حماية حياته، إن لم نقل حماية حياة جميع المعتقلين في سورية.

يا رفاق الخير.. ما هكذا يكون الرفاق.. فاتقوا الله!

نشر في ملحق تيارات- صحيفة الحياة اللندنية. يوم الأحد 14 نيسان/ أبريل 2013. لقراءة المقالة كما نشرت في صحيفة الحياة، انقر هنا.

لقراءة ردّ أمين سر هيئة التنسيق الوطنية في سورية رجاء الناصر، انقر هنا.

Maher Al Junaidy - 14apr13-Small

Advertisements

One comment on “يا رفاق الخير.. ارعووا!

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: