أضف تعليق

القصير.. اليوم الذي صنعه الربّ


اليوم الذي صنعه الرب
تفصيل من لوحة لتمّام عزّام – من اختيار الصحيفة

من قال إنّ ظهور السيد حسن نصر الله في خطبة جديدة هو مجرد حدث سياسي؟ إنه علاوة على ذلك، وربما قبل ذلك، حدث إعلامي مشهديّ درامي من طراز رفيع. كنا، نحن السوريين في المغتربات، معظمنا علىالأقل، ننتظر خطاباته التلفزيونية النارية كل يوم خلال حرب تموز 2006، فترفع نسبة الأدرينالين في أجسامنا، وتقشعرّ أبداننا، ونشعر بنشوة ما بعدها نشوة.

***

أي سحر في صوت هذا الرجل! أي بهاء في طلّته! أي ألق في عيونه! أي بلاغة في كلماته! أي ذكاء في خطابه!
تنتهي الخطبة منتعشين منتشين طربين، نعم إنه معجزة هذا الزمان، ذو فقار هذا العصر، غيفارا العرب.. وقد آن للمارد العربي أن يخرج من قمقمه، حتى ولو كان ذا عمامة سوداء.

وما بها العمامات السوداء؟ يا أخي معهم حق، فالحسين شهيدنا أيضاً، والإمام الغائب عجّل الله فرجه قد يكون مسيحنا المنتظر. ثم إن اللون الأسود جميل كعمامة، بل هو لون دارج!

ما بها العمامات السوداء؟ هاهم يجيدون على الأرض فعل ما يتجاوز سفسطة العمامات البيضاء! وهاهم يدكّون الحصون كغضب ساطع، ويزلزلون الأرض تحت القدم الإسرائيلية الهمجية، وهاهي ما بعد بعد حيفا..

أي خيال جامح ملأنا ونحن نتخيل ما بعد بعد حيفا! ونرى ببصائرنا «عرب النكبة عدة الثورة.. زاحفين غداً على بطاح الجليل وكثبان النقب.. رافعي العلم العربي في سماء يافا وقمة الكرمل».

أي روعة تعيشها بيروت وأبناؤها، حين يطلب منهم “سيّد المقاومة” الخروح إلى شرفات منازلهم على الفور، وإلى أسطح عماراتهم، ومشاهدة البارجة العسكرية الإسرائيلية وهي تتفجر الآن، في هذه اللحظات، في الزمن الحقيقي؟ ترى هل سيتمكن اللبنانيون من ترك شاشات التلفزيون والالتفات إلى ذلك المشهد؟ هل يحملون شاشاتهم معهم إلى الأسطحة كي لا تفوتهم جرعة أدرينالين أخرى يحقنها السيد في أرواحنا؟ الفصل صيف، ولا بد أنهم يجلسون أصلاً على الشرفات.
لا شكّ أن الفرح يغمر صبايا بيروت، من جونية شمالاً إلى مشارف صيدا جنوباً، ومن رأس بيروت غرباً إلى بشامون والشويفات وبيت الدين وبرمّانا وبعبدا وجعيتا عمقاً، لا شك أنهنّ يقفن الآن بالألوان على الشرفات والأسطحة، بأجسادهن السمراء يتهللن للصليب في هذا اليوم الذي صنعه الرب، أو بملابسهنّ المحتشمة الزاهية يزغردن للشهيد في هذا اليوم الإلهي!
***

أيام الربّ قليلة ونادرة.. وهذا زمننا.. أيام الرب تتجلى فيها عظمة الكون والإنسان في مشهدية رائعة. حرمنا خوفنا في التسعينات، من مشاهدة الكواكب والفلك تجري في سماءاتنا، حين امتنعنا عن الخروج من بيوتنا، ووضعنا الأغطية السوداء على نوافذنا، كي لا تتسرب تلك الأشعة اللعينة التي ستحرق عيوننا وتقرّح جلودنا. حرمنا خوفنا من رؤية مشهد تخيّلناه ولم نره، بعد أن عمل الإعلام السوري على تطبيق تجربة “منع تجوّل طوعي نتيجة إشاعة”، كان يمهّد بها لذلك اليوم الرهيب الذي لا بدّ أن يأتي، يوم يتوقف عن الخفقان قلب قائد الأمة وأملها وحامل أمانتها. مشهد كوني عظيم توهّمنا أن السماء ستجود به، وتحسّرنا على ضرورة اختبائنا، وتألّمنا ونحن نتبارى على شراء النظارات السوداء، لنضعها على عيوننا حتى في غرفنا الداخلية، فيما كان العالم ينتظر الكسوف الكامل للشمس، ويرسل البعثات العلمية إلى قرانا لمتابعته وتصويره!
***

بيد أنّ نصر الله موضوع آخر. فهو يدعونا لمتابعة ملحمة عظيمة على أفق المدينة، أو إلى تخيّل تلك المتعة المشهدية، التي يقدّمها لأبناء بيروت، الآن، وعلى الهواء مباشرة، أبطالٌ أين منهم خير الدين بربروس!. لا مراء أنها كانت لحظات للعمر، متعةً بحريّةً للناظرين، وإنجازاً عظيماً ماجداً أين منه ذات الصواري!
***

لكنّ للقصير وقعاً آخر. والمشاهد المنقولة اليوم عن أجساد الأطفال الذين مزّقتهم صواريخ حزب الله لا تحتاج إلى تخييل بصري. هي الآن على اليوتيوب، وعلى الهواء مباشرة.

يقول الأصدقاء اليوم إن في نفوسهم الكثير من الشماتة حيال من كانوا معجبين بحزب الله وبخطبات حسن نصر الله قبل أعوام. ويتساءلون: “هل كان يجب أن يفعل نصرالله كل هذا حتى يختصر علينا أطنان من الكلام والنقاشات والوقت الثقيل؟.. كم من البيانات العملية للبراز الطائفي والدموي أردتموه أن يقدم حتى اقتنعتم بذلك يا أصدقاء”!

لا يا صديقي.. لم يكن الأمر يحتاج إلى كل هذا..

صحيح أنّه مازالت في قلوبنا تلك السذاجة التي تجعلنا نتمنى لو لم تتسنّ لكم الشماتة. لكننا ما توقعنا أن بين جنباتنا من يتلذذ بمشهديّات لوتريامون، ومن يطبّق أناشيد مالدورور حين “يترك الأظافر تنمو، لينزع من السرير، بفظاظة، طفلاً ليس له بعد شيء على الشفة العليا، ويتظاهر بعيون مفتوحة جيداً أنه يمرر يده بلذّة على جبينه، وهو يعطف إلى الوراء شعره الجميل. ثم يغرز، فجأة، في تلك اللحظة التي لا يتوقعها الطفل، أظافره الطويلة في الصدر الرخو، بنوع أن لا يموت الطفل؛ لأنه إذا مات انحرم القاتل فيما بعد من منظر عذاباته”.
***

لم تعد درامية خطاباته تستند إلى التخييل وصياغة وهم المجد والنصر الإلهي.. باتت تراجيديا دموية نعاينها بحواسنا جميعاً: نلمسها في جروحنا، نشمّها في رائحة دمائنا، نراها في أشلاء أطفالنا، نسمعها من أنين أهلنا ودعاءاتهم، ونتذوقها مرارة خيبة أمل.

نشره الملحق الثقافي في صحيفة النهار البيروتية في 15 حزيران (يونيو) 2013- لقراءة المادّة في الصحيفة يرجى النقر هنا.

Moulhak Sakafi (1107)-21-28-4

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: