أضف تعليق

كان اسمه بكري

Bakri كان اسمه بكري. لا أذكر أنّ في عوالم الطفولة الحمصيّة اسماً يشبه هذا؟ قطعاً لا!

بكري، اسم يدهمك في حلب، كقطعة سجق حارّة جافّة. هل هي ياء المتكلّم في نهاية اسمك؟ أم تُراها ياء النسبة؟ أصلاً هل يجوز لك أو لوالديك التلاعب باسم الصدّيق بهذا الشكل؟ ثم، لماذا يثير هذا الاسم ابتسامة جدّتي الدمشقية، وجدّي الحموي، وأهلي الحماصنة؟ هل يختفي في بكري إثمٌ ما؟

خمسون عاماً مرّت، لم يجبني أحد عن هذا السؤال. ما علاقة بكري بمدينة حلب؟ ولماذا حلب بالذات؟ يبتسم من تسألهم ابتسامة العارف المتواطئ ويصمتون. وعندما أُلحّ على كشف المستور يقسمون أنْ لا علم لهم بشيء.

حين تسرّب، أو سُرِّب، شريط اجتماع عُقد في بلدتي نبّل والزهراء، فيه مسؤول يحثّ على رفع الرايات والقتال تحت راية الحسين وصولاً إلى حلب، جاءني في الحلم بكري، قادماً من غبار القرن التاسع عشر، مبتسماً ابتسامة العارف المتواطئ.

***

بعد القصير، قرب عتمة الليل، تستجير صديقتي الـ”فايسبوكية” من حلب: نسمع الآن صلوات مقاتلي “حزب الله”. اللهمّ صلّ على محمّد، وآل محمّد، وعجّل فرجه! إنهم هنا حولنا. في مكان قريب حول حارتنا. يلبّون الحسين!

–        وماذا تفعلين؟

–        أحفر الكوسى، وأحضّر قالب الكاتو لابني الذي نجح في الامتحانات.

–        كنتُ حين نسافر لفترة طويلة، أودع مفتاح بيتي عند أبي جعفر بائع الخضرة الجميل من نبّل.

–        سبعين يوماً ظلّت القذائف تخرج من جوار “جمعيّة الزهراء” صوب عندان وحريتان. خمس دقائق بين قذيفة وأخرى. قالب الكاتو يحب أن يُخبَز على نار هادئة.

–        …

–        لا تقلق. هي مجرّد مكبّرات صوت تصيح “يا حسين”. دعني أكمل حشو المحشي.

من قال إن الحسين غريب عن حلب.. فله مشهدٌ هنا، قرب مواقع قصور الحمدانيين، يحرس شبابنا في مظاهرات “بستان القصر”.

***

الكبّة المشويّة الحمصيّة

حلب هي الأشهر بالكبّة. لكن صدِّقني أن الكبّة الحمصية هي الأطيب. إنّها مثل القدود والتظاهرات. حمصيّة في الأساس، حلبيّة في الشهرة.

الكبّة طقس يجاور صلاة الجمعة. يبدأ حين يحضر صفوان لوازمها، وتشمّر أم نضال عن ساعديها لدعكها ثلاث ساعات أو ثلاثة عقود، وتنهمك ميساء بتقشير الأحلام.

الكبّة صلاة تُختتم بجوار المنقل، حيث تشرشر الشحمة الحرّيفة على سنوات الجمر. على الشرفة ذاتها التي خرجت إليها أم نضال في 4 آذار 1980 حاملة خرطوماً لتطفئ حرائق شوارع المتظاهرين.

الكبّة، إعلان وجود تُصدره أمي إلى جيرانها، يصل إلى أنوف كل الذين يمنّون النفس بسكبة، لو أنها بضعة أقراص من صنع أم نضال.

فقط، اخلع قميصك كي لا تتعرق كثيراً. ضع قليلاً من الثلج فوق كأس العرق. وباشر رحلة انتحار جماعيّ على وليمة من كبّة وسياسة.

***

إسكافيأبو زهر الدين، اسكافيّ حيّ الاسماعيلية والفيض والمسبح البلدي في حلب طوال فترة الستينات والسبعينات. دكّانه كان يقابل تقريباً دكّان مختار “حيّ الفيض والاسماعيلية وسيف الدولة وتوابعها”، بالقرب من حانوت صالح “السمّان” الذي ترقّى بعد وفاة أخيه إلى “ساعاتي” ثم إلى “مطهّر وممرّض فني”، ومن أبي بدري الحلاّق السلقيني صاحب العود الذي لا يفوّت فرصةً تسنح للإمساك بزبائنه ليغنّي لهم أغاني محمد عبد الوهاب.

متفوقاً على المختار والحلاّق وغيرهما، كان أبو زهر الدين يستقطب أكثر رجال الحارة جديّة وثقافة في محلّه الذي يضم 6 كراسٍ للزبائن، وكثيراً من الغراء والجلود ومن أحذية أمهاتنا وآبائنا التي نأتي له بها، نحن أطفال الحارة.

في 1981، حين سمعنا خبر اغتياله في محلّه بطلق ناري، لم يكن أحد من أبناء الحارة يدري أنه علويّ.

التهمة في اغتيال هذا الرجل الرائع، الذي كان يحفظ عن ظهر قلب أسماء أصدقائه أطفال الحارة ويميّز أحذيتهم، كانت موجّهة كالمعتاد إلى “عصابات الأخوان المسلمين العميلة”.

في سوريا الجديدة، سنطالب بفتح تحقيق باغتيال أبي زهر الدين، الثمانيني، الذي ساهم في معارك الشعب الإسباني ضد فرنكو.

***

Aleppoحلب، تدعى رقصتها المحلية المميّزة: “عربيّة على طلب الشباب”.

ينادي عرّيف الحفل ليدعو الراقصين: “شباب العربية تتفضّل”، فيقف الرجال وسط الميدان شبه جامدين على أنغام طربٍ ثقيل، يتفحصون بعضهم البعض لدقائق طويلة.

بعد لأي، يبدأون بالتلويح بأياديهم ببطء شديد، وبهدوء تحسبه لا يليق بمعنى الرقص.

تكاد تظنّ أن الرقصة انتهت حين يفاجئونك بتقدّمهم إلى الحلبة، كالنمور، يضربون الأرض مثل بطل رواية “الياطر”، ويحلّقون في الفضاء مثل زوربا، في رقصة لا تشبهها أي رقصة أخرى.

فقط انتظروا وصول النغم إلى الرؤوس الثقيلة.

***

أدونيس لم يكن يوماً ذلك الاسم الذي يعرفه أهل حلب.

حين افتتحوا في الثمانينات تلك الكافتيريا بجوار جامعة حلب، صار يستقبل العشاق ولحظات الحبّ ومواعيد المتسكعين من طلبتها، الذين رأوا فيها ملاذاً من مقاصف الجامعة المملوكة للاتحاد الوطني لطلبة سوريا، أو فلنقل المخابرات. لم يشغلهم كثيراً معنى الاسم. لعلّ صاحبه أرمنيٌّ شاء أن يترك صناعة البسطرما ليقتحم بكافتيرياه حيّ الميرديان الذي لم تتضح ملامحه المحافظة بعد.

في تلك الكافتيريا قالت لي فتاتي يوماً: “ما هي أبعاد طلبك لقائي هنا”، وما زلت بعد أسبوع عسل وطفلين وعمر من الغربة، عاجزاً عن شرح أبعاده.

***

aleppo-citadelيسألونك عن مدينة حلب.

حلب المدينة، دزّينة مدن لا تعرف إحداها الأخرى.

تكاد بنت “السكّري” لا تعرف أبعد من “قهوة الشعّار”. ويكاد ابن “السليمانية” لا يعرف موقع “الاسماعيليّة”. ويخلط ابن “السبيل” بين “مدينة هنانو” و”مقبرة هنانو” و”ثكنة هنانو”. أما ابن “الميدان” فيغلب عليه الظنّ أن “العامريّة” امرأة ورد اسمها ذات مسلسل فانتازيا.

حلب المدينة، دزّينة مدن، وأكوام هموم تلتقي جميعاً في العبّارة، والمنشيّة، وشعبة التجنيد، ودائرة النفوس.

كان لمثقفيها مقهى يسمّى “القصر”، حوّله الفساد من مقهى ثقافة إلى متجر رديء، فشُتّت المثقفون بين “البرازيل” و”الموعد” و”جحا” و”حنّا كعدة”، ليجمعهم العرق في “العندليب” أو “مقصف المنشية”.

–        قصر جحا أيضاً دمّرته “النصرة”.

–        فلنعد إذاً إلى “الهافانا”.

حلب المدينة، دزّينة مدن، ومروحة طبقات تمضي من “كرم الدعدع” إلى “حيّ الشهباء”.

حلب المدينة، دزّينة مدن، وطائفتان: أبناؤها… وأبناء الحرام.

***

في حلب سيبقى اسمك بكري!

نشره ملحق النهار الثقافي يوم السبت 22 حزيران (يونيو) 2013.. لقراءة النص في موقع الصحيفة المذكورة انقر هنا.

مقالة بكري

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: