أضف تعليق

من هو الأرمني؟

خالق الأحرف الأرمنية

هل الأرمن أقليّة في حلب؟

يفاجئك السؤال حين تكتشف أنه لم يخطر في بالك يوماً أنّ للأرمني معنى سوى النسمة.

في الجامعة، بمجرّد أن تسمع كلمة “أرمني” يطلّ عليك بعينيه العسليّتين، مبتسماً على درج الكليّة، حييّاً، مانحاً روحك جرعةً من الودّ والكاردينيا، ليستأذنك في استعارة نصّ المحاضرة التي حضرتَها للتوّ.

وفي الحياة، الأرمني هو الثقة: عند باب ورشته، يستلم سيارتك، أو ثلاجتك، أو ساعة يدك، لكي يسلمك إياها بعد يومين أفضل مما كانت عليه في الأصل. هو الشفاء: تخرج من عيادته مطمئناً إلى أن الله الشافي وجد سبيلاً إليك. هو الأمان: تنكشف المرأة أمام عدسته لالتقاط صورة غنوج، تعلم أنها لن تصل إلى غير يديها. هو الضيافة. تمضي إلى حانته ليلاً، فلا تخرج إلا سعيداً بولائمه. بيت أسرار، تتسوق البيرة والعرق والنبيذ والسلامي من حانوته ليل الخميس، ليحييك بعبارة “السلام عليكم” وأنت ذاهب إلى صلاة جمعتك.

في الجامعة، وبمجرّد أن تسمع كلمة “أرمنيّة”، تتذكّر شعرها الأسود الفاحم، وحمرة شفاهها، وقمصيها، وذلك الزرّ الذي نسي أن يغلق على أحلامك، أو ربما تقصّد، قافزةً أمامك لتسألك عن موعد بروفات فرقة المسرح.

وفي الحياة، الأرمنيّة، هي تلك العريشة التي تميل على الغصون بأغانيها على سطوح فندق أثريّ في “الجديدة”، وهي تنده للأسمر اللون.

***

في النهار، تسحبهم أعمالهم، وورشاتهم وعياداتهم، وصناعة البسطرما. وفي المساء، يملؤون ثغور حلب وزواياها الخفيّة، وتتقلّص عند درجات “أبو آكوب” حدود المدينة، على مساحة طاولاته الخشبية، وصندويشة السجق الحارّ، والمخلل المغموس بالزيت، وكأس العرق.

خذ الدّنان بيمينك من “جابرازيان”، لكن لا تطعم الدمشقي من “سيروب”.. سيلدعه الثوم، والحامض، والفلفل.

وحين يمضّك الحنين إلى حلب، دع “أوهانيس” الخجول يستوقفك، أو ربّما “سيلفا” التي تحبّ الرقص والسياحة في حارات المسلمين، أو “جنفياف” التي ذهبت إلى أفريقيا، فأقام لها أهلها مأتماً.

جميعها أسماء تمرّ من عظام الرقبة إلى شغاف القلب.. أليسوا أول من احتفل بالفالانتاين في حلب؟

***

لكن، من هو الأرمني؟

يكاد يستحيل أن تعثر على أيّ من أبناء مدينة حلب وريفها لم يسبق له أن تعامل مع الأرمنيّ. وتفاجأ حين يقال إنهم قليل.

الأرمن في حلب تجمّع ورديّ خفيف الظل من الكنائس والنوادي والكشّافة، خلطة خاصّة من العادات والطقوس، باقات من الشباب والصبايا بملابس زاهية، وعبق حسيّ ممزوج بالنبيذ، ونكهة مختلفة، مثل جرْس لكنتهم حين يمضغون العربيّة.

***

الأرمن في حلب ضرورة. حيوات جداتنا وأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا كانت ستختلف لو لم يكن هناك خياط أرمني، أو بائع “نوفوتيه” أرمني، أو مصفف شعر أرمني.

هوفيك، سركيس، هاروت.. هي أسماء تعلمناها من أمهاتنا قبل آبائنا. وحين كان يصعب على جداتنا لفظ أسمائهم، كنّ يكتفين بكلمة “الأرملي”.

***

يقال إنّ سمعة الأرمني العطرة، دفعت جزءاً من سريان حلب “الأورفليين” إلى اعتبار أنفسهم أرمناً أو شبه أرمن، بحكم الجيرة التاريخية في أورفة والرها وغيرها، قبل أن يهاجروا معهم قسراً إلى أوطانهم الجديدة. لكن للأورفليين لغتهم: خلطة فعّالة من الأرمنية والتركية والسريانية والعربية.

الأرمني لا يغش في صنعته. هذه حقيقة.

–        لكن لماذا؟

–        لعلّها منظومة أخلاقية خصّه بها الله استقرّت في قلبه!

–        هل لأنه يخشى في الحق لومة لائم؟

–        أو لتوجّسٍ يقبع في ذاكرته. هو يمشي “الحيط الحيط”.

الأرمني في حلب غيرُه في اللاذقية أو دمشق أو ربما بيروت. في اللاذقية، قد لا تكتشف أنه أرمني لأن اسمه ولقبه لا يشيان بالضرورة بأرمنيته، والدمشقي لن يؤنث المذكر ولا يذكر المؤنث.

الأرمني في حلب هو الأرمنيّ.

***

إيران ماميكونيان، شاعر سوري أرمني حلبيّ. كان في الثمانينات من عمره وعمر القرن العشرين معاً. كان يقطن في بستان الزهرة، قرب حارتنا. لعلّه الأرمني الوحيد في هذه البقعة من الضجيج وأصوات الأذان.

بقبعته الأرستقراطية، كان يمر كل يوم من أمام شرفتنا، متجهاً إلى مقهاه ثملاً فرحاً كما يليق بسليل ملوك أرمينيا الأوائل، متغلباً على أعتى هواجس الأقليات الدينية والعرقية في حيّنا.

رحمك الله يا إيران، يا أول من سمعت أنه كان يتنبّأ بسقوط الاتحاد السوفييتي، مبشراً باستقلال أرمينيا..

ذكره شخص خلال الثورة فقال: إيران.. كنت أنت المفرد الوحيد.. وما شابه اسمك محض مثنّى!

***

«سحب “أوهان” حصانه الأسود، ووضع رجله في الرّكاب الأيسر. وقبل أن يضع الثانية في الرّكاب الأيمن وصل الحصان إلى قمة جبل صاصون.. هناك وجد حصان دافيد، ابن أخيه، شارداً في الجبال من دون خيّال. ورأى جيش الفرس يملأ السهل كأنه أمواج البحر»- مقطع من أسطورة “دافيد الصاصوني”

***

عند باب محلّ الأرمنيّ يتجلّى معدن الأرمني. وعند باب بيته، تتجلّى هواجسه.

نشره ملحق النهار الثقافي يوم السبت 6 تموز (يوليو) 2013. لقراءة النص في موقع الصحيفة، انقر هنا.

Moulhak Sakafi (1110)-21-28-6

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: