أضف تعليق

لا طريق بتاتاً إلى الجنّة – ملامح العزلة العنكبوتية

shiaa01ما أن تبدأ بالثلث الأخير من الرواية، حتى يتكشفُ لك مغزى ذلك الإيقاع الرتيب الذي يستفزّك حين تفتتح الروايةُ فصولَها بحكاية رجل يصف بالتفصيل الممل ساعة مغادرته المشفى، مستقلاً سيارته المتّسخة بصحبة فتى، هو ابن أخيه، ثم يروي الرحلة حتى وصوله إلى منزله حيث زوجته، وأبوه، وثلاثة من أطفاله. إيقاع رتيب تحيّرك فيه التفاصيل الدقيقة التي تتقافز مرة وراء أخرى لتستولي على المشهد، تفاصيل كتلك اللطعة المتشبثة بزجاج نافذة السيارة، واهتمام الفتى بإزالتها.

تحيل الرواية إلى علاقة رجال دينٍ شيعة بمجتمعاتهم الحاضنة في مرحلة من مراحل تطوّرها أو تغيّرها الزمني، ربما مرّت في ستينات القرن الماضي أو سبعيناته وما قبل. فتمضي بك صفحاتها في مستويات زمنيّة تجاري ذاكرة “السيّد” وتداعياته الذهنيّة. مستويات متعددة تصل في بعض لحظاتها إلى آل البيت ذاتهم. كما تتململ تفاصيل الرواية في مساحات جغرافيّة ضيّقة، لا تزيد حكاياتُ النجف سوى مزيد من الضيق إلى ضيقها المناطقي اللبناني. إلا أنها في الحقيقة مستويات ومساحات تخصّ “السيّد” ذاته، البعيد عن متغيّرات عوالمه الخارجية، المحكوم بدواخله الجوّانية، ودواخل سلالة “السيّاد” التي انحدر منها، وإنْ قفزتْ صورة أخيه العابثة الهازئة من إطارها، ومدّت له لسانها كلّما شعر بمأزق المزاوجة بين تلك العوالم وهذه الدواخل.

تتوقّع للوهلة الأولى، حين تكتشف شيعيّة البطل، وكونه رجل دين معمّماً، أن تمضي بك الرواية إلى “حدّوتة لبنانية”، كالتي عرضتها روايات لبنانية أخرى تناولت المشهد اللبناني والعلاقات بين طوائفه ومكوّناته الاجتماعية. غير أن “السيّد” الذي لا يحب القراءة، ولا اللقاء بالناس من حوله، والذي يستسخف مآلات مهمة رجل الدين في بيئة غير مرحّبة، بيئةٍ تحتاجه- بالكاد- في إقرار الزيجات وفي مراسم العزاء، عاجزٌ حتى عن الاحتكاك بأبناء الضيعة ذاتهم من دون ظلّ أبيه، لا يستطيع سوى الحوار مع ذاته، فتتلخّص علاقته بهم بضربة أو ضربتين على الصدر تصاحب عبارة “السلام عليكم” التي قد لا تتجاوز الفجوة الكبيرة لتصل إلى مسامعهم أصلاً.

Hassan Daoudثمّة علاقة لا أمل في تصحيحها بين “السيّد” وزوجته، المنهمكة في متابعة أشغال البيت وطيّ الملابس وتنظيف الصحون، الناسية أحياناً تنظيف وجوه أبنائها أو الاعتناء بصحتهم ونظافتهم، لكن –بالمقابل- الأقدر على تحديد متطلباتهم، وإن متأخّراً. هي بالأحرى جثمان علاقة ميتة تضغط على “السيّد” يجد منفذاً لها في منزل أخيه المرحوم، حيث الأرملة المشتهاة، والطفل الحيوي الذي يحتفل بأعياد ميلاده مع أقرانه.

إلى جانب الابنة الصغيرة التي لم تكتمل ملامحها، تظلّ صورة ولديه اللذين لا يعرفان ماذا يفعلان، ولا يعرفان كيف يشعران، ولا حتى ما ينبغي لهما أن يشعرا به، مؤلمةً ملحّةً عالقةً في ذهن القارئ من اللحظة الأولى لحضورهما. طفلان أبكمان أصمّان، لم يستوعبهما أصدقاؤهما من أبناء الضيعة، ولا مدرسة الصمّ والبكم الداخليّة البيروتية، فاستسلما لقدرهما من غير قرار، في الانضواء في دروس يقدّمها “الحزب” المتسلل إلى الجوامع.

لم يستطع “السيّد” عبور منفذ زوجة أخيه حتى خواتيمه. وعلى الرغم من أن المنفذ كان مشرعاً، إلا أن رحلة النفوذ من خلاله كانت “فاشلة”، إلا من ذكريات ثدي يفيض حجمه عن قبضة الكف.

قد تتساءل في منتصف الرواية عن تاريخانيتها، وبالتالي علاقتها بأجواء الحرب في لبنان.. لا شيء يشي بذلك على الإطلاق، وكأن الكاتب يترك للقارئ التخمين من خلال الفجوة الكبيرة التي حكمت علاقة “السيد” ببيئته فكانت المعبر السهل الذي تسلل من خلاله أعضاء “الحزب” إلى الجامع، قبل أن يضعوا طاولتهم ويستقطبوا أولاد الضيعة إليهم، ليستحوذوا فيما بعد على تركة “السيّد الوالد” المرحوم: مكتبته وستفات كتب مجلّدة قديمة، لا يذكر البطل أن أباه عاد إليها يوماً. لم يتخذ الاستحواذ شكل استيلاء قسري مفضوح، ولا شكل استسلام عارٍ، بل كان انسحاباً متخاذلاً، وتسليماً بواقع الحال وبقوى الأمر الواقع، وتفكيراً بالهروب إلى الخلف مع ابنيه الأخرسين، صوب قرية نائية، على حافّة العالم، تتآكل درفتا باب جامعها كما يتآكل سكانها.

يخيط الكاتب بهدوء وتؤده رسم ملامح العزلة العنكبوتية لهذا “السيّد” الذي لم يعرف ما هي الأعضاء التي أزيلت منه في المستشفى، وكأنه لم يكن –حتى- قادراً على الاستفسار عنها، فاستسلم لنصيبه الذي جعل يتحرّاه بمدى شغفه بربلتي أرملة أخيه، وقدرته على الدوس على دعاسات البنزين في سيارته التي لم تزد من رحابة المجال الذي يتحرك فيه البطل، بل ضيقته، حتى لتكاد تصبح هذه السيارة ثوبه أو عباءته الثانية، التي يرتديها مع عمامته.

تقول النبذة التي قدّمتها دار الساقي إنّه «قرّر أن يخلع عنه جبّته وعمامته. هكذا من دون أن يعرف كيف سيكون بعد ذلك وماذا سيفعل. هل هو موت والده الذي حرّره؟ هل هي إصابته بمرض السرطان وخوفه على حياته؟ أم ملله من البيت ومن زوجته ومن ذهابه إلى الجامع؟ أم رغبته الجامحة في امرأة أخيه المتوفّي؟ لا ينبغي له أن يتردّد، أو يؤجّل. فذلك سيبقيه حيث هو، وكما هو، ماكثاً في غرفته، لا شيء يفعله إلا انتظاره للشمس يتقدّم خطّها على البلاط تحته».

تُرى هل تخلّى رجال الدين الشيعة عن دورهم، شبه مكرهين، قضاءً وقدراً، لذلك الحزب الذي سحب البساط من تحتهم وسدّ فراغاً تركوه؟ تتراءى لك في الرواية ملامح علاقة بين خصوصية “السيّد” وعموم حال رجال دين الطائفة. والكاتب لا يقدّم لنا ما يشي بأن ذلك “السيّد” سيتخلّص من تردده. الخطوة الوحيدة التي استطاع أن يخطوها من دون تردد أو دفع هي تقديم مسبحته لصديقه، بعد أن حفظ خط الرجعة عن مغازيها، بأن أكّد أن ثمّة الكثير منها لديه.

وفي غمرة تساؤلك: “هل يتعيّن لأجواء الملل والرتابة أن تتسلل من البطل إليك؟”، تكتشف أنّ الفتى لم يُزِل، فحسب، تلك البقعة المتسخة عن زجاج النافذة، بل وأزال غبشاً في رؤية “السيّد”.

“لا طريق إلى الجنّة” رواية تجنح إلى الرصد النفسي لحالة الإيغال في العجز الإنساني،  لكنّها تُخرجك للحظاتٍ تطلّ خلالها على صورة كلّيانيّة ينقشها حسن داوود لأفق مسدود يستمدّ لونه من لون عمامة “السيّد”. رواية تحبّها حين تبني علاقة معها ومع شخصياتها وخصوصياتهم. هي لا تصلح للقراءة قبيل النوم. تمضي صفحاتها كحبّات المسبحة، وتمضي لحظات الدفع العاطفي فيها كحبات “الشواهد”، فيتجلّى لك في الصفحات الأخيرة منها أن الإيقاع الذي ظننته رتيباً، والتفاصيل التي حسبتَها مملة في البداية، والتي كانت تتناول أحياناً تفاصيل حركة الأصابع، أو العيون، أو ما كان ينوي الرجل أن يقول وما قال بالفعل، ما كان ينتظر سماعه وما سمعه بالفعل، جميعها، كانت جزءاً أساسياً من مهارة الكاتب، من حبكته، من تصويره المرئي ومونتاجه وإخراجه، من أدواته التي نقلتك من مطرحك لتضعك حيث تصبح شاهد عيان على عالم من الخواء، تتشوّق لأن تعرف مآلاته، فلا تُفلح. غير أنك تعرف سلفاً، أنها مآلات لا تمضي بصاحبها “السيّد” إلى أيّ جنّة.

 

The Bookلا طريق إلى الجنّة (رواية)

المؤلف: حسن داوود

دار الساقي – بيروت

رقم الإيداع:  9781855169272

تاريخ الصدور: 2013

عدد الصفحات: 320

 

نشرتها صحيفة النهار اللبنانية في 14 آب (أغسطس) 2013. لقراءة المقالة في الصحيفة المذكورة انقر هنا.

67_file1 15

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: