أضف تعليق

المشارقة.. بعد أن أكمل الزمن دورته

إذن، فقد أكمل الزمن دورته، مضت على الرحلة ثلاث وثلاثون سنة، وبات الأمر يتطلب منك المزيد من التدقيق. إذ ليس من الحكمة أن تعتمد على ذاكرتك المرهقة بالألم، ومشاعر الذنب، وحسرتك على تلك القبلة الضائعة التي لم ترتشفها.

–        لم نكن قد سمعنا بما حدث. وحين عدنا، اكتفت أمّي بحمد الله على سلامتي. ولم يقل لي أبي إن صوت الرصاص كان صبيحة العيد مسموعاً إلى درجة الفضيحة. لم ينبس ببنت شفة.. ترك لي وحدي أن أعرف ماجرى.

أمل شنن2

من أعمال الفنانة السورية أمل شنن

***

هل كنت تحسب أن تلك الجلسة على ظهر سيارة “بيك أب”، مزدوجة القمرة، كانت في 1981؟ لعلّ شرودك في رقبتها، والبلوزة المنحسرة عن صرّتها، وخصرها الميّاس، وجرس صوتها الضاحك الذي طالما استفزّك، واهتمام الجميع بها، هو ما أنساك أن الرحلة جرت عام 1980، وفي شهر آب تحديداً.

نعم. كانت عطلة عيد بأية حال.

لكن، هل كنتَ تحسب أن رحلتكم صادفت عيد الأضحى، والسابع عشر من نيسان؟ هل تراءى لك ذلك فقط لأنك اكتشفت أن هذا التاريخ، فضلاً عن كونه عيد الجلاء، يصادف “عيد الرابع” المقدّس الذي يحتفل به العلويون، في صيغة تشابه نوروز الأكراد، وفصح المسيحيين، وشمّ نسيم المصريين؟ لا يا عزيزي، يبدو أن الأمر التبس ثانيةً عليك. إذن دقق ذكرياتك: فلقد كان عيدَ الفطر. ولم يكن العيد الآخر الذي صادف زيارتكم بلدة “حصين البحر” هو “عيد الغدير”، بل كان احتفالاً خاصاً بكم.

***

المشارقة. حيّ خارج السياق الحلبي، وخارج أسوار المدينة.

لولا سوق الهال، وكراجات الانطلاق، لكان هذا الحيّ ملاصقاً لحلب القديمة. حيّ، يقابل على الضفة الأخرى من النهر، تلك المسافة الفاصلة بين باب انطاكية، أحد أبواب حلب التسعة الحالية، و”باب جنين” أو “باب الجنائن” الذي يطلّ على البساتين.

يشكّك حلبيون عتيقون بأصالة سكان حي المشارقة بحاراته المتعددة، كالكُتّاب والعينين وجسر النهر: “هم قوم استوطنوا قرب حلب خارج أسوارها”، وبالتالي خارج سياقها.

كانت البساتين على الطرف الآخر من الحي المعزول، وبعد المقبرة التي تحمل اسم الزعيم الوطني ابراهيم هنانو وتضم ضريحه، مازالت موجودة قائمة، تقضمها أحياء جديدة، فيها عمارات وبيوت متفرقة تغمرها مياه النهر حين يفيض.

***

يعود استحداث الحيّ للقرن الثامن عشر. في الصف الأول الابتدائي كنتُ تلميذاً مداوماً في مدرسة “الاتحاد الوطني” بالمشارقة. كنا نشعر بالخجل من اسم مدرستنا على الرغم من أنّها تنتصب كصرح مميز ضمن بيوت عربية متعانقة عتيقة. كانت الإذاعة السورية تفنّد ليلاً نهاراً دعوات “الاتحاد” الاستعمارية الرجعية المشبوهة، وتصرّ على أن لا بديل عن الوحدة العربية.

في الصف الأول الابتدائي ذهبنا في رحلة إلى كفر جنّة وميدانكي. فوجئت بأنّ الفلاحة الكرديّة التي قطفت لي خسّة لا تفهم العربية، ولا تتحدث بها. لم أدرك أنّ لها لغة مختلفة، فحزنت لأن بعض أبناء بلدي أميّون، لم تصلهم العروبة، ولا يعرفون أهمية أن يكونوا عرباً.

***

لكن رحلتكَ في آب 1980 كانت إلى طرطوس. إلى ذلك الشاليه الصغير، الذي ضمّك أنت وهي، وباقي المجموعة.

كنتم شلة أصدقاء من حلب، يناهز عددكم الخمسة عشر شخصاً، شباباً وصبايا، تجمعكم أغاني فيروز، ومارسيل خليفة، وجامعة حلب. واستطاع أحدكم أن “يدبّر” شاليهاً أو اثنين في (رواد السياحة) بمنطقة المنطار جنوبي طرطوس، لتقضوا بضعة أيام فيه قبيل انتهاء رمضان. لا، لم يكن الربيع، بل كان الطقس مواتياً للسباحة. لكنّ موسم السياحة في هذا المكان كان الضحية الأولى لرمضان، وللوضع الأمني في البلاد.. هي إذن، فرصة ثمينة لطلبة جامعة منتوفين لا يعثرون دوماً في مواسم الصيف على فرصة كهذه.

***

هو لا يناسب رقّتها. لا شكّ أنها لا تعرف الكثير عن “المشارقة”، الحيّ المغبرّ الذي بات في ثمانينات القرن العشرين ملاصقاً وسط المدينة، رغم أجواءه العمرانية الريفية. كان صديقنا المشارقجي يقلّل من أهميّة الأقاويل عن أنّ نواة هذا الحي تنحدر من أسر قدمت إلى أطراف حلب من مشارقها، ويصرّ على أنه حلبيّ أصيل، فقد كانت أمّه سيّدة مجتمع، متعلّمة وتعزف العود!

فتاتي لا تعرف المشارقة، ولم تسمع بذلك الفرن الذي كان يبيع الخبز بسبعة فرنكات، والخبز الأسمر لدراويش الحيّ بستة فرنكات. وهي بالتأكيد لا تعرف شيئاً عن تلك المقبرة، ولا عن حارسها الذي كان يبيع بخمسين ليرة الهياكل العظمية لطلبة الطب الوافدين من مدن أخرى.

ليس لفتاة عصريّة بمثل هذه الثقافة التقدّمية، وهذا الإيمان الثوري، وهذا البكيني المزهر، أن تعرف هذه الأمور. وإذا كانت لا تتبادل هذه النظرات معي، ولا تستجيب لفرص الاستفراد بي، فليس لأنها تحت وطأة عيون أخواتها، بل لأن هذا ما يليق بالشيوعيات!

***

حسناً، كنتم إذن بضعة عشر شخصاً تشظّوا أسبوعاً على رمال البحر، مقطوعين عن العالم الخارجي. ما تذكره بالتأكيد أن “الريّسة” كانت تلحّ على إيجاد طريقة للاتصال بزميل لها في الكلية، يقيم في بلدة على الجهة الأخرى من طرطوس، بلدة جبليّة، تدعى “حصين البحر”، والأهم أنها بلدة سعد الله ونوس.

لم يكن من السهل عليكم العثور على هاتف عمومي لدى البقالين والسمانين القليلين أصلاً، والمعيدين ثانياً. وحين استطاع أحدكم أن يجد هاتفاً على بعد عدة كيلومترات من الشاليهات، تمكّنت “الريّسة” من الاتصال بزميلها. كان يدعى شيئاً من قبيل “جوهر” أو “علي” أو “ناصر” أو “حيدر”، أو أي اسم تشاؤون.

وكما يليق بابن أسرة ميسورة، لم يتوانَ الشاب الأسمر ذي الملامح القرويّة، عن القدوم فوراً إلى الشاليهات ملحاً عليكم جميعاً بالانطلاق فوراً إلى قريته.

***

كان اسمه “علي”. وعدتموه بالذهاب في اليوم التالي إلى قريته، رغم شوقكم جميعاً لمغادرة علب السردين الشاطئية هذه.

تطل على مدينة طرطوس، وتشرف على البحر، وتتوسط طبيعة خلابة كما يتوسط الله ملائكة النور. كانت سيارتكم تصعّد باتجاه القرية، فترجّلتم قليلاً كي تخففوا العبء عن محركاتها، حين وقعت المفاجأة، وظهر لكم مسلحون على المنعطف، أوقفوا الموكب، وطلبوا من بقايا الركب أن يترجّل… وسالت الدماء.

–        نعم. تعالت الهتافات، ولعلعت الطلقات، وحزت السكاكين رقاب الخراف ترحيباً بنا، نحن “الحلبية” الزوار. هل نسيتُ أن أقول إننا لم نكن نسمع أي أخبار محليّة طوال أسبوع، سوى تلك التي كانت تبثها الإذاعة الرسمية؟

حظيتم إذن بترحيب أسطوري. أهازيج ومطربون وفرقة رقص. موائد عامرة. احتضنتكم “حصين البحر” ليومين وليلتين، كانت خلالها العبارة الأكثر تداولاً فيهما هي “شاباش لأهل حلب”. وطالما أنه عيد الفطر، فقد احتفلوا خصوصاً بزيارتكم، أنتم “الحلبيّة”.

–        يومان وليلتان ضاعت فيهما عني كثيراً. رقصت معها هناك، أمسكت يدها في الدبكات، فثملت من الهواء العليل، والبيرة الطازجة، وقرع الطبول، ورائحة جسدها العطري، لكنّها لا تلبث أن تختفي بين أوراق الشجر. يومان وليلتان، وثمانية آلاف علويّ، والكثير من القصص. قصص ربّما تذكرها بيوت أهل قرية سعد الله ونوس الذين تسابقوا إلى ضيافتنا، وإلى صنع الشاي والمتة وتحضير الزيتون واللبنة، وتقديم العرق والخبر والملح، لسبعة عشر شخصاً، قدموا من هناك. من حلب.

***

–        وماذا عن المشارقة؟

–        لم نكن قد سمعنا بما حدث. وحين عدنا، اكتفت أمّي بحمد الله على سلامتي. ولم يقل لي أبي إن صوت زخّات الرصاص كان نهارَ العيد مسموعاً إلى درجة الفضيحة. ربّما لم ينبس ببنت شفة وترك لي وحدي أن أعرف ماجرى. لم يحدثني عن مجزرة حصدت نحو مئة من أبناء الحي خلال دقائق. لم يقل إنّ عوائل بأكملها اجتثّت. ولم يقل إنّ أستاذنا البعثي، الدكتور عبد الرزاق عرعور قد قتل ضمن القتلى. لم يحدّثني عن أنّ من أوائل من قضوا ذلك الرجل الذي استأذن القتلة بكلمة، وصاح: (لكن زوجتي علويّة، فماذا ستقول لأبنائي؟!). لم يقل لي إنهم كانوا ثمانين شخصاً، أو ربما مئة، عدا مئات الجرحى. لم يقل لي إنهم اقتيدوا جميعاً إلى مقبرة هنانو، وأن الجرّافات حفرت خندقاً طُمرت فيه جثث القتلى جميعاً. ذلك الخندق الذي نبشوه لاحقاً لشقّ طريق، فبانت منه بقايا ثياب العيد… لم يقل لي شيئاً.. أو ربّما أخبرني بذلك كلّه، فيما كنت أفكّر بسمرة جسدها الشهي بعد رحلة البحر!

نشرتها صحيفة النهار اللبنانية بتاريخ 18 آب (أغسطس) 2013. لقراءة المادة في موقع الصحيفة المذكورة انقر هنا.

Pages from 71_file1

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: