أضف تعليق

رسالة مفتوحة إلى جميع الجهات الفاعلة، الحكومية وغير الحكومية، المنخرطة بالنزاع السوري

8788025

الدكتور أوني كاروناكارا

الرئيس الدولي- منظمة أطباء بلا حدود

في أعقاب اتفاق حكومتي روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، تدعو أطباء بلا حدود، المنظّمة الطبية الإنسانية الدولية، هاتين الدولتين إلى أن تضعا على رأس أجندتهما الدبلوماسية ضرورةَ توسيع نطاق المساعدات الإنسانية لتصل إلى ملايين السوريين المتضررين من الحرب.

ونظراً لتعدد الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية المنخرطة في النزاع السوري، فمن الضروري أن تعمل الحكومتان الروسية والأمريكية مع حلفائهما السياسيين على وضع استراتيجية ضخ مكثّف للمساعدات الإنسانية، حيثما تلزم في سوريّة.

ولكي نكون واضحين، ينبغي ألا تفسر هذه الدعوة لكسر جمود المساعدات الإنسانية على أنها دعوة لعكسرة المساعدات. ووفقاً لما هو معترف به بموجب القانون الدولي الإنساني، يجب السماح لموظّفي المساعدات والإغاثة بحريّة التحرك والتنقّل لإيصالها إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها. لذا، يتعين على الحكومتين الروسية والأمريكية بذل مستوى من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى زيادة المساعدات الإنسانية المقدّمة للملايين من ضحايا العنف في سوريّة، مماثل للمستوى الذي بذلته للتوصل إلى اتفاق بشأن الأسلحة الكيميائية.

MSF139297-Syria

صبي مصاب بالربو يتلقى الأوكسجين في قسم الإسعاف في أحد مشافي منظمة أطباء بلا حدود في سوريّة..

قتل في الحرب أكثر من 100 ألف شخص خلال نحو عامين ونصف العام من النزاع السوري. واضطر ربع سكان البلاد إلى الفرار من بيوتهم. ونزح أكثر من 2.1 مليون شخص خارج البلاد.

وتعرّض النظام الطبي- كباقي الخدمات الاجتماعية في سوريّة- إلى الحصار خلال هذا النزاع، ولم يعد قادراً على تلبية احتياجات السوريين الطبية، الحادة والمزمنة. واستُهدفت المستشفيات والطواقم الطبية طوال فترة الحرب. ومن بين 91 مستشفى عاماً في جميع أنحاء البلاد، تضرّر 60 مستشفى منها (55 بالمئة)، أو دُمّر دماراً تامّاً.

في العديد من المناطق، يخاف الناس كثيراً عبور خطوط الجبهة للوصول إلى مرافق الرعاية الصحية، كما يتعرّض العاملون في مجال الرعاية الصحية إلى القتل والاعتقال والتعذيب والتهديد. وقُتل منذ بداية الحرب اثنان وعشرون متطوعاً لدى الهلال الأحمر العربي السوري. وباتت أجواء تقديم مساعدات طبية مستقلة أجواءً أكثر عدائية. ولعلّ واحداً من أحدث الأمثلة على ذلك كان في أوائل أيلول/ سبتمبر عندما قصف سلاح الجوّ السوري مستشفى ميدانياً في مدينة الباب، شمال سوريّة، ما أسفر عن مقتل تسعة مرضى واثنين من الكادر الطبي. كما يتعرّض عمال الإغاثة لنيران بعض جماعات المعارضة.

قبل هذا النزاع، كان في سوريّة نظامٌ صحي يعمل بشكل جيد، وخبرات طبية متقدمة، وقطاع صناعات دوائية. لكن هذه الموارد شارفت اليوم على النضوب على طرفي جميع خطوط الجبهة. فهناك شحّ في الأدوية الأساسية نتيجة انهيار الصناعات الدوائية، وعلى نحو غير مباشر، جرّاء العقوبات الدولية المفروضة على سوريّة. الحصار الفعلي على عبور الإمدادات الطبية من خلال خطوط الجبهة إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بلغ مستوى فرض عقوبات محليّة على أجزاء من البلاد.

وقد فرّ الأطباء من البلاد بأعداد ضخمة. ولا يوجد، من بين الذين بقوا في البلاد، سوى عدد قليل من الأطباء المتخصصين، والمتدربين والجراحين ذوي الخبرة القليلة أو ممن لا يمتلكون أي خبرة في معالجة الإصابات المرتبطة بالحرب. حتى بات أطباء الأسنان يجرون عمليات جراحية بسيطة، والصيادلة يعالجون المرضى، والشباب يتطوعون للعمل بالتمريض.

اليوم، يموت السوريون ليس فقط من الرصاص والقنابل والصواريخ، ولكن أيضاً من أمراض مزمنة يسهل علاجها والوقاية منها، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم. وعادت إلى الانتشار في أجزاء من البلاد أمراضٌ معدية كانت يوماً تحت السيطرة في سوريّة، بما في ذلك الحصبة والليشمانيا. وبات من المستحيل عملياً على النساء اللائي يواجهن مضاعفات الحمل الحصولُ على خدمات التوليد الطارئة. وتفاقم انهيارُ نظام الرعاية الصحية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة جرّاء شحّ المساعدات الإنسانية اللازمة لملء هذه الفجوة.

لقد رفضت السلطات السورية، منذ بداية النزاع، السماح لمنظمة أطباء بلا حدود بالعمل داخل البلاد. فاضطرت المنظمة، بسبب الاحتياجات الإنسانية الهائلة، إلى الانخراط في عمليات الإغاثة الإنسانية، وتقديمها عبر حدود الدول المجاورة، وفي أغلب الأحيان إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

تدير منظمة أطباء بلا حدود اليوم في سوريّة ستة مستشفيات وعيادتين، تُجري بمجموعها في المتوسط ​​10 آلاف معاينة و430 عملاً جراحياً في الشهر، ما يدل على الحاجات المرتفعة في المناطق محدودة حيث تستطيع منظمتنا العمل. أما في المناطق التي لا تستطيع منظمة “أطباء بلا حدود” أن تعمل فيها مباشرة، فهي تقدّم دعمها إلى 28 مستشفى و56 عيادة صحية في جميع أنحاء سوريّة، ما يؤكد النقص الماس في الإمدادات الطبية الأساسية، بسبب الصعوبة البالغة في تمرير المواد الطبية عبر نقاط التفتيش والحواجز الطرق.

يجب على الحكومتين الروسية والإيرانية أن تستخدما علاقاتهما القوية مع السلطات السورية للسماح بدخول وكالات الإغاثة للعمل في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وبعبور الخطوط الأمامية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. كما يتعيّن على سلطات دمشق أن تخفّف من وطأة متطلباتها الإدارية التي تعرقل توزيع المساعدات في البلاد، مثل إغلاق طرق الإمداد، والقيود المفروضة على حركة عمال الإغاثة الإنسانية، والعقبات البيروقراطية الأخرى. وعلاوة على ذلك، يجب على الحكومة السورية احترام نزاهة المرافق الطبية وحيادها، ووقف جميع عمليات استهداف المرافق الصحية، وموظفيها، ومرضاها، وكذلك تسهيل حركة الإمدادات الطبية والموظفين عبر خطوط الجبهة وعبر الحدود.

كما يجب على الدول الرئيسية التي تدعم جماعات المعارضة، بما في ذلك الولايات المتحدة، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، ضمان التزام هذه الجماعات بتسهيل واحترام أنشطة المساعدة الإنسانية عبر الخطوط الأمامية. كما يجب على هذه البلدان أن تضمن التزام جماعات المعارضة التي تدعمها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بوقف إنشاء قواعد عسكرية بالقرب من المرافق الطبية، والكف عن مضايقة العاملين في مجال الصحة والمرضى، وتهديدهم، واستهدافهم.

إن مسؤولية تسهيل تقديم المساعدة الإنسانية في سوريّة، واحترامها، تقع أيضاً على عاتق جميع الجماعات المسلحة والميليشيات والدول المؤثرة بالنزاع، أو المنخرطة فيه. ويجب على البلدان المجاورة إبقاء حدودها مفتوحة للسماح بحريّة تدفق المساعدات إلى سوريّة، وإلى اللاجئين الراغبين في ملجأ خارج البلاد.

خلاصة القول، يتعيّن بذل جميع الجهود الدبلوماسية لضمان قدرة وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الإنسانية على تقديم المساعدة العاجلة للشعب السوري، سواء انطلاقاً من دمشق أو من الدول المجاورة.

تتطلب هذه الأزمة غير المسبوقة التي تمرّ بها سوريّة جهوداً دبلوماسية غير مسبوقة، متناسقة ومتضافرة، لتيسير أنشطة المساعدة الإنسانية. الآلاف من السوريين يقتلون أو يتشرّدون كل شهر. ويتعين لمحاولات الاستجابة لضراوة كارثية وفجائعية هذه الحرب أن تتمحور على اتفاق يدعم تقديم المساعدات الإنسانية. إنه رهان المحافظة على حياة الملايين من السوريين.

مع خالص التقدير

الدكتور أوني كاروناكارا

الرئيس الدولي- منظمة أطباء بلا حدود

ترجمة: ماهر الجنيدي

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: