أضف تعليق

سوريّة: عود على بدء.. جزئياً

قد لا يتمكن الحل الدبلوماسي الذي تبنّاه أوباما من إيقاف حرب الأسد، لكنه أفضل بكثير مما كان يمكن للضربات الجوية أن تنجزه.

3

بقلم: مارك لينش*

* مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، ومدير معهد دراسات الشرق الأوسط ومشروع العلوم السياسية الشرق أوسطية في الجامعة، ورئيس تحرير قناة الشرق الأوسط في مجلّة “فورين بوليسي”.

في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، أشار الرئيس باراك أوباما، على نحو قاطع، أنه عاد إلى رشده في سوريّة. كانت الأمور على وشك الانفجار. فقبل أقل من شهر، بدت الضربة العسكرية ضد نظام الأسد أمراً لا مفر منه، بقدر ما بدت أمراً لا طائل من تحته، وينطوي على احتمالات كارثية.

ولكن أوباما اعترف، أمام قادة العالم المجتمعين: “لا أعتقد أن العمل العسكري- سواء من جانب أولئك الموجودين في سوريّة، أو من قبل القوى الخارجية- يمكنه تحقيق سلام دائم”. لقد دفع ليس فقط للتوصل إلى اتفاق بشأن أسلحة سورية الكيماوية التي من شأنها أن “تنشّط جهوداً دبلوماسية أكبر للتوصل إلى تسوية سياسية في سوريّة”، بل وأشار بوضوح إلى اهتمامه بدور روسي وإيراني في هذه التسوية. وذكّر جمهوره، وربما ذكّر نفسه: “كنت أفضّل دائماً التوصل الى حل دبلوماسي لهذه القضية”. لا شك أن جميع الخيارات ستبقى مطروحة على الطاولة، كما هي دائماً، ولكن يبدو من المستبعد جداً أن لدى أوباما أي نية للخوض مرة أخرى في كارثة الشهر الماضي السياسية.

هذا التحول الملحوظ أغضب الصقور، من واشنطن إلى الخليج، الذين اعتقدوا منذ شهر واحد فقط أنهم جرّوا الرئيس المتردد أخيراً إلى حربهم. صحيح أن أوباما قال في خطابه المتلفز إلى الأمة يوم 10 سبتمبر: “لن أجعل الأحذية الأمريكية تطأ أرض سوريّة، ولن أسعى لاتخاذ إجراءات مفتوحة مثل العراق أو أفغانستان. لن أشنّ حملة جوية طويلة مثل ليبيا أو كوسوفو”. ولكن الصقور الذين ما فتئوا يدعون للتدخل الأمريكي كانوا يعرفون جيداً أنه سيغدو من العسير، بمجرّد بدء القصف، مقاومةُ الضغط الذي سيتصاعد حتى تحقيق النصر، أياً كان ذلك يعني.

1لكن الرجل يستحق بعض الثناء. فهو، بطريقة أو بأخرى، نجا من فخ؛ ونأى عن منحدر زلق، بل إنه حوّل المهزلة الكبيرة الوشيكة إلى تقدّم دبلوماسيّ ملموس. فالرئيس أوباما يتصل اليوم هاتفياً بالرئيس الإيراني في أول اتصال علني منذ عقود، ووزير خارجيته يجتمع وجهاً لوجه مع وزير الخارجية الإيراني، وقرار مجلس الأمن بشأن سوريّة على وشك التمرير، والأفق السياسي من أجل تغيير إقليمي ذي مغزى بدأ يلوح. من أوباما إلى بوش إلى أوباما في ستين ثانية.

وعلى الرغم من كل الفوضى التي سادت هذه العملية، فإن النظام الديمقراطي الأمريكي أفلح فعلاً بشأن سوريّة. لم يكن الأمر مجرد تدخل دبلوماسي روسيّ. ربما ترنّح أوباما فوصل إلى الفكرة الفظيعة المتمثّلة بقصف سوريّة، ولكن المؤسسات الديمقراطية سحبته فعلاً من حافة الهاوية. لا يمكن للبيت الأبيض، ولا يجب، أن يتجاهل تسونامي استطلاعات الرأي العام التي أظهرت بشكل واضح أن الأمريكيين لا يريدون التورط بحرب جديدة، ولا يصدقون أن خططه ستنجح (ولم يكن الرأي العام العربي والدولي أفضل حالاً). ثار الكونغرس، حين بادر حتى الحلفاء المقربين من الإدارة إلى الإشارة إلى معارضتهم توجيه ضربة عسكرية (وهل هناك طريقة لمساعدة صديق وحليف أفضل من منعه من ارتكاب خطأ رهيب؟).

وأكثر من ذلك، فإنّ مناقشة عامة في 2002، كانت بعيدة كل البعد عن وسائل الإعلام الساذجة، حجبت أي جاذبية عن الأفكار الشاعرية بشأن الحلول أهلاً والنزول سهلاً والترحيب بالحلوى. ربّما جُنّدت البرامج الحوارية التلفزيونية المحلية دعماً للتدخل، لكن لا يبدو أنها أثّرت على أحد. وأفكار التدخل التي كانت تزرع بعناية ضمن الأجواء العصيبة الحارة في مراكز أبحاث واشنطن، كانت تذبل على الفور تقريباً عندما تتعرض لأي تدقيق متشكك. ربما نسينا أن هذه هي الطريقة التي يفترض اتباعها في سوق الأفكار والنظام الديمقراطي.

لا شك أن قرار أوباما بالانسحاب من الضربات الجوية أصاب العديدين بخيبة أمل، بما في ذلك الحلفاء الإقليميون الذين كانوا يضغطون منذ فترة طويلة من أجل العمل العسكري، والسوريون المستميتون لحلّ ينهي القتال. ولكن خيبة أملهم لن يكون لها سوى القليل من العواقب طويلة الأمد. فالمخاوف بشأن تأثير ذلك على مصداقية الولايات المتحدة يمكن بسهولة وضعها جانباً: الإيرانيون فهموا جيداً الفرق، حسب تفكير واشنطن، بين برنامجهم النووي والحرب الأهلية في سوريّة. وسوف يواصل صقور القادة العرب ما فعلوه لسنوات، وهو أن يعيبوا على أمريكا كونها لا تحل مشاكلهم، وأن يسعوا إلى حروب بالوكالة تقوض مباشرة أولويات الإدارة الأمريكية. قادة المعارضة السوريّة المسلحة قد يكونون محبطين بشدة جرّاء عدم استخدام طائرات أمريكا المقاتلة وصواريخ توماهوك، ولكن من المرجح أن يستمروا في طلب المال والسلاح، والحصول عليه.

أما الثوار السوريون، فقد أصيبوا حتماً بخيبة أمل. لكنّ ذلك ليس أمراً في غاية السوء. فلطالما راهنت فصائل رئيسية من المتمردين السوريين المنقسمين على أنها ستجذب التدخل الأجنبي في نهاية المطاف بدلاً عنها. إذا فقدوا الأمل أخيراً من هذا الأمل، فلربما يأخذون على محملٍ أكثر جدية واقع الحاجة إلى مرحلة انتقالية تفاوضيّة. يمكن أن يساعد في هذا حتى إعلان بديل إسلامي عن المعارضة السورية المدعومة من الغرب. فهذا يغير قليلاً على الأرض، حيث أن الجيش السوري الحر لم يبلغ أبداً القدر الذي يدعيه مؤيدوه، ونحت سماسرة السلطة المحلية مجالات نفوذهم، وماعت التحالفات. والواقع الدولي الجديد قد يساعد السياسيين المعارضين المناضلين المزمنين إذا حفّز شعوراً بإلحاح التوصل إلى اتفاق سياسي سريع، بدلاً من انتظار الفرسان المسلحين المنقذين لكي يكتسحوا الموقف.. أو وينقذوا الوضع.

أما إذا استطاعت الضربة العسكرية أن تنهي الحرب سريعاً، وأن تساعد ملايين البشر الذين يعانون في سوريّة، فستكون القصة حينئذ مختلفة. لكن حتى مؤيدي الضربة أنفسهم لم يزعموا أن الضربة ستحقق فعلاً تلك الأهداف. في الواقع، هناك أمل في وضع حد للقتال الدائر، وفي إجراء تحول سياسي هادف في سوريّة، وهو اليوم أمل أكبر ممّا كان عليه قبل شهر، عندما بدا أن القنابل تتأهّب للإطلاق. ثمة لحظة للدبلوماسية المبدعة هنا، كما هو الحال مع إيران، يجب عدم تفويتها. حين ذكر أوباما بمهنيّة عالية معاناة الإيرانيين من الأسلحة الكيميائية العراقية، فإنه رتبط بذكاء المبادرتين الدبلوماسيتين المحتملتين. مع مسودة قرار في مجلس الأمن بشأن معدّ للتصويت مساء يوم الجمعة، وإشارات إيران لاستعدادها للمشاركة في محادثات جنيف، يبدو أصدقاء الأسد فجأة أقل إصراراً على التزامهم ببقائه.

يبدو أن خطاب أوباما في الأمم المتحدة صيغ ليعيد تأسيس هدف السياسة الأمريكية المتمثل في ضرورة إنهاء الحرب الأهلية وإيجاد اتفاق سياسي بشأن سوريّة ما بعد الأسد. بعد غزل الإدارة المؤلم والفاشل مع فكرة الحرب بالوكالة والتدخل المحدود، فإنّ هذا يبعث على الاطمئنان. بيد أنّ هذا لا يعني، بالطبع، إعادة تأهيل الأسد. فقد أوضح أوباما رؤيته من حيث استحالة أن يكون مهندسُ جرائم الحرب واسعة النطاق جزءاً من نظام شرعي أو مستقر لاحق. لكن إزالة الأسد هي خطوة واحدة فقط في عملية طويلة وشاقة، على طريق المساعدة على وقف القتال، والتعامل مع الأزمة الإنسانية، وبناء سوريّة أفضل.

هذا لا يعني أن من المرجّح لمؤتمر جنيف2، أو أي مسار سياسيّ آخر، أن يجد حلاً سريعاً للصراعات العنيفة في سوريّة، أو للدولة المحطمة، أو للكارثة الإنسانية. فما من شيء سيحقق ذلك، لا العمل العسكري، ولا الحرب بالوكالة، ولا الدبلوماسية. ولكن للمرة الأولى منذ شهور كثيرة، يبدو المسار السياسي وقد عاد فجأة. وهذا تحسن كبير من حيث توقفت الأشياء قبل شهر.

 

نشره موقع صحيفة فورين بوليسي  في 27 أيلول/ سبتمبر 2013. يمكن الاطلاع على النص الأصل هنا.

(حقوق الترجمة محفوظة).

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: