أضف تعليق

قانون (حظر) التظاهر: هل بقي حيّز عام في مصر؟

مروةبقلم: مروة عبد السميع فكري

29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013

ستتواصل المعركة من أجل الاستيلاء على الحيّز العام في مصر، وستحدّد مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

كان إقدام الشعب على احتلال الحيّز العام واحداً من المكاسب الحاسمة، إن لم يكن المكسب الوحيد الذي حققته ثورة 25 يناير. ولم تحقق الثورة، في الواقع، نجاحّها إلا عندما تمسّك المتظاهرون بأرضهم في ميدان التحرير. ومع عدم وجود أحزاب سياسية موثوقة وعميقة الجذور، وانعدام الثقة بمعظم النخب السياسية، أضحت الشوارع والساحات وسيلة في متناول الشعب للتعبير عن مطالبه، ومظالمه، وآرائه. الحيّز العام ليس مجرّد مكان، ولكنّه أيضاً أداة نضال ثوري.

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، واظبت الدولة المصرية العميقة على محاولاتها الرامية إلى استعادة سيطرتها على الحيّز العام. وفي الوقت نفسه، دأب النشطاء السياسيون والمتظاهرون على حماية مكسبهم الواضح الوحيد وجعله حقاً دائماً، ضرورياً لا غنى عنه، مسلّماً به لا يتطرّق إليه الشك. لا ريب أنّ هذا الحق تعرّض في بعض الأحيان للاعتداء، وبات مبتذلاً نسبياً منذ قيام الثورة، ولكن فكرة أن الدولة لم تعد سيّدة الحيّز العام دلّت على تغيّر كلّي في العلاقة بين الدولة والمجتمع.

منذ انقلاب 3 تموز (يوليو)، صار من الواضح بشكل متزايد مدى إصرار النظام الجديد/ القديم على محاولته لإعادة الصيغة السلطوية القديمة إلى علاقة الدولة مع مواطنيها. ومن المثير للسخرية حقاً أن هذا النظام، الذي أنشأ شرعيته على المسرح العام الذي احتشد فيه المتظاهرون (سواء المؤيدون أو المعارضون لحكم الإخوان المسلمين)، بات عازماً الآن، وبلا حياء، على تشديد قبضته على الحيّز العام من جديد. ولتحقيق هذا الهدف، استخدم النظام تكتيكات واستراتيجيات مختلفة.

كانت أول استراتيجية بعد عزل الرئيس مرسي هي التطبيق الفوري لقانون الطوارئ وحظر التجول. وتشتهر قوانين الطوارئ، من بين أمور أخرى، بسمعتها السيئة من حيث فرضها قيوداً على حرية التجمع والتعبير. وذهبت دلالات هذه التدابير إلى أعمق بكثير من مجرد الرقابة. كانت الرسالة واضحة من الدولة إلى المجتمع: إنّ الحيّز العام لم يعد لكم، بل إنّه للدولة، صاحبة الحق الوحيد في تقرير أنظمتها.

تجلّت الاستراتيجية الثانية في طلب الجنرال عبد الفتاح السيسي ملء الساحات لتفويضه استخدام الإجراءات اللازمة “لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل”. لا تكمن أهمية الدعوة فقط في تأسيس نمط جديد من التعبئة، ولكن أيضاً في معناها المتعالي الذي تجاوز الحدود. كانت هذه هي الخطوة الأولى في تجريد الحيّز العام، وميدان التحرير على وجه الخصوص، من إرادته الحرة واستقلاله من خلال اختيار تحويله إلى خدمة إملاءات الدولة. وكانت هذه أيضاً علامة على أن الحيز العام في “مصر الجديدة” لن يعود متاحاً لمعارضة النظام أكثر من ذلك، ولكن فقط كما في السابق لدعم ذلك. وعلاوة على ذلك، فمن الآن وصاعداً، لن تستخدم الشوارع والميادين إلا لحشد الناس بناء على طلب الدولة و تحت رعايتها.

الاستراتيجية الثالثة هي “العلاج بالصدمة”، وتمثّلت في عنف تفريق مخيم رابعة والتعامل الوحشي مع المظاهرات. لا تكمن أهمية هذه المذبحة فقط في الاستخدام المتعمد للقوة المفرطة، ولكن في ارتباطها مع فكرة ضرورة “تقديس” الدولة من جانب مواطنيها. وهذا يعكس كيف يفكر النظام حيال الحيّز العام باعتباره واحداً من مجالات السلطة المحمية، وكذلك إلى أي مدى يمكنه المضيّ في تأكيد ذلك. يبدو هذا التصور للحيّز العام متوافقاً مع وجهة نظر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إزاء ما حدث ويحدث في مصر منذ الثورة. تسرّب تسجيل فيديوي للجنرال السيسي وهو يتحدث إلى مجموعة من الضباط قبل ستة أشهر من الانقلاب، يقول فيه إن الثورة “فكّكت جميع القواعد والقيود التي كانت موجودة في مصر”. وعلى الرغم من أنه كان يتحدث تحديداً عن وسائل الإعلام، يمكن بسهولة توسيع رأيه ليشمل الحيّز العام نفسه. بعد كل شيء، فإنّ أكثر ما يهمه حقاً هو تفكيك القيود.

وكان القانون هو الاستراتيجية الرابعة المستخدمة لتعزيز قبضة الدولة على الحيّز العام. أصبحت قوننة وتجريم الأنشطة السياسية في الأماكن العامة واحدة من الآليات الرئيسية في تحقيق هذا الهدف. وثمّة قانونان مؤخراً يضيئان هذه الحقيقة.

الأول هو مشروع قانون حظر الغرافيتي، وينص على الحكم بالسجن مدة أربع سنوات بالإضافة إلى غرامة مالية على المخالفين. يعدّ الغرافيتي واحداً من التعبيرات الفنية الشعبية التي ازدهرت مع ثورة 25 يناير. كان يستخدم لنقل المطالب العامة إلى الحيّز العام من خلال إشهارها على الجدران. مع التطورات على الأرض، أصبح الغرافيتي جزءاً من ذخيرة العصيان المدني التي تثبت “من سيكون له الكلمة الأخيرة”. لذلك فقد كان يثور غضب الثوار كلما عمدت السلطات إلى إزالة اللوحات بالصدفة، أو عمداً. فالغرافيتي بات بالنسبة لشريحة كبيرة من النشطاء المصريين وسيلتهم للاستجابة مع المحاولات التي تهدف إلى استبعادهم وتهميشهم، ومقاومة تلك المحاولات.

على الرغم من أن الحكومة ادّعت أن ما ترفضه هو العبارات المسيئة، فإنّ الصياغة الفضفاضة لمشروع القانون تجعله ينطبق أيضاً على فئات أخرى من الغرافيتي. من وجهة نظر الدولة، فإنّ الغرافيتي يمثل انعدام القانون، والفوضى، والأهم من ذلك، فقدان السيطرة على الحيّز العام. الغرافيتي (الكتابة على الجدران) يحافظ على الزخم الثوري حيّاً في الشارع، ويقدّم سرديّة مختلفة عن الثورة، مستقلّة عن خطاب الدولة. وهو من خلال ذلك يتحدى علناً قدرة الدولة على استعراض عضلاتها في الشوارع والساحات.

المثال الثاني هو “قانون التظاهر”، الذي يحدد بالتفصيل الشروط التي يجب الوفاء بها قبل الإقدام على أي احتجاج، أو اجتماع سياسي، أو مسيرة. فإنه يجرم المظاهرات التي تجري من دون الحصول على إذن مسبق من الحكومة. منذ ثورة يناير، حاولت الحكومات المتعاقبة استعادة ما فقدته الدولة من الحيّز العام. الجديد هذه المرة هو تصلّب نبرة السلطات وإجراءاتها. كانت طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين أمام البرلمان في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) رسالة واضحة بأن المظاهرات غير المصرح بها، سواء كانت سلمية أو غير ذلك، لن يتم السكوت عليها إطلاقاً. كما قال اللواء عبد الفتاح عثمان مساعد وزير الداخلية لشؤون الإعلام لقناة CBC التلفزيونة الخاصة، فإنّ المظاهرات غير المصرح بها  هي تحدّ “للدولة و هيبتها”. وأضاف: “المتظاهرون يريدون إحراج الدولة. ولكن الدولة قادرة على [وقفهم]”.

بالنسبة للعديد من الأحزاب في مصر الآن، فإن البقاء في الشوارع هو الوسيلة الوحيدة للمقاومة والحفاظ على البقاء السياسي. وهو أيضاً جزء عضوي من الثورة المستمرة. هذا يعني ببساطة أن الكفاح من أجل الشارع لم ينته بعد. فالمعركة من أجل الاستيلاء على الحيّز العام في مصر مستمرة، وهي ستحدد مستقبل العلاقة بين الدولة من جهة، والمجتمع على الجانب الآخر.

نشر هذا النص باللغة الإنجليزية في شبكة Open Democracy، لقراءته بالإنجليزية انقر هنا.

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: