أضف تعليق

ويحدثونك عن مشاريع الترجمة!

بيت الحكمةتفشّت، في السنوات القليلة الماضية، وعلى نحو طريف، مبادرات “قومية” و”وطنية” و”عالمية” عتيدة كبرى للترجمة، انطلقت من عدة دول في وطننا العربي السعيد.

وفي حين لم يعد مستغرباً سلوكُ التقليعة “المُوضَويُّ” الذي تنهجه المبادرات الحكومية العربية المتلاحقة؛ وخصوصاً حين يتعلق الأمر بإدعاءات “نهضوية” تزعمها هذه الحكومات المحاصرة من كل حدب وصوب بأوحال الجهالة والبؤس الثقافيين؛ فإن المستغرب حقاً هو تهليل بعضٍ من الرموز الثقافية العربية لهذه المبادرات بطريقة يظن المرء معها أننا على موعد قريباً مع “دار الحكمة” بنسختها القرواحدوالعشرينية!

لكنْ، وكما شتّان بين بغداد تلك وبغداد هذه. فشتّان بين “دار الحكمة” تلك، و”دور الحكمة” هذه.

ولمعرفة أين تقع هذه المبادرات من الإعراب، دعونا نتطارح بعض الأسئلة:

 

  • هل الترجمة فعل استنهاضي؟ بمعنى أنها تضطلع بدور في استنهاض الأمم من سباتها؟

لا أظن، وفقاً لحدود معرفتي بالتاريخ العربي والأوربي، أن الترجمة لعبت دوراً في استنهاض العرب وبناء دولتهم. كما لم تلعب دوراً في استنهاض الأوروبيين لبناء دولهم. فالدور الذي لعبته الترجمة هو دور ثانوي زمنياً. بمعنى، أنها جاءت في سياق فعل تنويري مارسته دول قوية ومجتمعات مستقرة وأقوام حققوا “ذواتهم” الوطنية.

لم تأت “دار حكمة” العرب إلا في أزمنة ازدهار وصلت طلائعهم العسكرية والأيديولوجية فيها إلى مشرقي الأرض. كما لم يترجم الأوروبيون بكثافة أمهات الكتب “العربية وغيرها” إلى لغـ(ـا)تهم، ولم يعوا أهمية ما يترجموه، والكنوز الكامنة في هذه المعارف الثرية، إلا بعد فتح العالم الجديد واكتشاف رأس الرجاء الصالح ووصولهم إلى الهند، وبناء مستعمراتهم، وعلى التوازي مع نهضتهم.

إذن، فالترجمة فعلٌ نهضوي، وليس استنهاضي.

 

  • هل الترجمة فعل حِرَفيّ؟ بمعنى أنها فعل مؤسساتي، يتطلب “بزنس بلان” Business Plan و”فيزبليتي ستادي” Feasibility Study؟

معروف للجميع كيف كان المأمون يمنح المترجم وزن مخطوطه ذهباً. أي بدون أن يسأل عن عدد كلمات النص، وعدد صفحاته، وعن سياسة التسعير المتبعة هنا وهناك، وبدون مناقشة تأثيرات الفرق بين “5 سنتات للكلمة” و”20 فلساً للكلمة” على نجاح المؤسسات التي تجسد مبادرته.

تأتي الترجمة بمثابة تعبير عن سياق ثقافي، وهي بذلك أبعد من أي تقدّر بثمن أو بسعر. لم يكن ثمة ميزان مراجعة مالي لقصائد أبي الطيب المتنبي في بلاط سيف الدولة، أو كافور الإخشيدي. ولم يكن المثقف يتوانى عن دفع حياته مقابل ثقافته، سواء كان حلاّجاً أم متنبياً.

فالترجمة النهضويّة فعل ثقافي إبداعي، وليست حرفة إلا بما يقتضيه تعزيز مهارات الفعل الإبداعي، أي أن يكون المترجم حِرّيفاً Professional حاذقاً Expert.

 

  • هل يترجم الموظفون؟ وبالتالي هل ينبغي توظيف الكوادر Employees؟

ولأن الثقافة فعل اجتماعي تتولاه الطبقة الوسطى من المجتمع، فإن الترجمة النهضوية فعل تمارسه هذه الطبقة التي تتناقل شعلة أدمغتها جيلاً وراء آخر، وليست وظيفة يتعيّش منها المرء، إلا إذا كان مدوّناً ناسخاً Scribe عند المترجم.

لكن، وفي ظل تدمير منظّم يمارس على الطبقة الوسطى في بلداننا العربية، كيف يمكننا توهّم القيام بفعل ثقافي مؤسساتي ذي أفق؟

وأخيراً، فالترجمة النهضويّة فعل ديمقراطي، يرى فيه المترجم الأستاذ أن من الضرورة ترجمة هذا الكتاب وليس ذاك. والمترجم المثقف الأستاذ هو من يعين المترجمين المساعدين، لأغراض يعرفها هو وحده، ولغايات يدركها هو وحده، ووفق خطة يرسمها هو وحده.

فكيف يمكننا مقاربة “دار الحكمة” ونحن نتأهب في مبادراتنا التعريبية إلى توظيف كوادر لترجمة ما يراه أصحاب المبادرة مناسباً، ووفق شروط توظيف يرتأونها؟

فلنعد للشغل بالتجارة، بالله عليكم!!

26 يوليو/ تمّوز 2008

 

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: