أضف تعليق

لماذا لا ينبغي لنا أن نحكم على البلاد حسب ناتجها المحلي الإجمالي

بقلم: مايكل غرين

ترجمة: ماهر الجنيدي

للاطّلاع على النص الأصل، انقر هنا. يرجى الإشارة للمصدر، وإبلاغنا، عند الاقتباس.

يعدّ الناتج المحلي الإجمالي مقياساً لنجاح الدول. لكن مايكل غرين يقول إنّ الناتج المحلي الإجمالي ليس أفضل طريقة لقياس جودة المجتمع. ما البديل؟ إنه مؤشر التقدم الاجتماعي، الذي يقيس أموراً مثل الاحتياجات البشرية الأساسية والفرص الإنسانية.

0

هناك دائماً محللون وصحفيون ومفكرون كبار يحبون التحدث عن الناتج المحلي الإجمالي. ببساطة، فالناتج المحلي الإجمالي الذي يعبّر عن قيمة جميع السلع والخدمات التي ينتجها البلد كل عام، أصبح المقياس الذي يقيس نجاح البلاد. ولكن هناك مشكلة يتم التغاضي عنها: لا يمثّل الناتج المحلي الإجمالي سوى الأداء الاقتصادي للدول، وليس مستوى سعادة مواطنيها أو رفاهيتهم. مع الناتج المحلي الإجمالي، إذا ازداد أغنى 100 شخص ثراءً، يرتفع ناتجك المحلي الإجمالي.. فيما يظلّ معظم مواطنيك بنفس قدر السوء الذي كانوا عليه.

هذا أحد أسباب أن الفريق الذي أقوده في “Social Progress Imperative” أطلق مؤشر التقدم الاجتماعي 2014. يحدد مؤشر التقدم الاجتماعي ما يعنيه أن يكون المجتمع صالحاً، وفقاً لثلاثة أبعاد هي: الاحتياجات الإنسانية الأساسية (الغذاء والماء والمأوى والسلامة)، أسس الرفاه (التعليم الأساسي، والمعلومات، والصحة، والبيئة المستدامة)؛ والفرص (امتلاك الناس حقوقهم، حرية الاختيار، التحرر من التمييز، والوصول إلى التعليم العالي).

تشكّل هذه المكونات الـ12 معاً إطار التقدم الاجتماعي. قيّمناها باستخدام بيانات مجموعة واسعة من المصادر الدولية (انظر قائمة كاملة) لتقييم 133 بلداً، بغية التوصل إلى ترتيب أكثر دول العالم تقدماً اجتماعياً. وهذا العام، ولأول مرة، قسنا مجمل تقدم العالم. وفيما يلي ستة رسوم بيانية من ترتيب 2015، أعتقد أنها تقول الكثير.

الرسم البياني الأوّل: أعلى 68 دولة على مؤشر التقدم الاجتماعي

مثير للاهتمام، ولكن ليس مفاجئاً جداً، فالنتائج الأعلى في مؤشر 2015 تتشابه كثيراً مع نتائج العام الماضي. التقدم الاجتماعي أقل تطايراً من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي لن يتقافز مؤشر التقدم الاجتماعي من سنة إلى أخرى.

1

تصدرت النرويج قائمة هذا العام. اذا نظرتم إلى نتائجها، فإن نتائجها استثنائية في الأبعاد الثلاثة جميعاً، وضع ممتاز من حيث توفر المياه والصرف الصحي، وأداء جيد جداً في التعليم الأساسي وفي توفير خيارات وحرية شخصية كبيرة. يرتفع في النرويج الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، وذلك بفضل وفرة الموارد الطبيعية. ولكن هذا ليس هو الحال دائماً. فالعديد من البلدان الغنية بالموارد- من الكويت الى أنغولا- لا تشارك جيداً في فوائد ثروتها، وبالتالي ينخفض التقدم الاجتماعي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. قد يكون هذا هو الحال، لأن الثروات الطبيعية لا تتطلب مستوى الاستثمارات في رأس المال البشري والاجتماعي الذي يتطلّبه النمو الاقتصادي واسع النطاق، إذ لا توجد لدى الحكومات الحوافز ذاتها لتوظيف تلك الاستثمارات. ولكن مهما كان السبب، يجب أن تكون النرويج نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى الغنية بالموارد.

الرسم البياني الثاني: نيوزيلندا مقابل النرويج.. مقارنة كاشفة

قد تحظى دول بمستويات مماثلة من التقدم الاجتماعي، مع مستويات مختلفة كثيراً في الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. تحقق نيوزيلندا درجة تقدم اجتماعي مقدارها 87.08، تكاد تصل إلى درجة 88.36 التي تحققها النرويج، لكن الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيها هو نصف ما في النرويج: 32808 دولاراً مقابل 62448 دولاراً.

2

وإذا نظرتم إلى بطاقة أداء نيوزيلندا، فإنها أفضل قليلاً من النرويج من حيث الفرص- وخصوصاً من حيث الحقوق الشخصية- وأسوأ قليلاً من حيث السلامة الشخصية واستدامة النظام البيئي.

ما الذي يقود إليه هذا بالضبط؟ لعله عليك أن تسأل النيوزيلنديين. في الواقع، هذا أحد الأمور التي نأمل أن نجريها تالياً: تحديد ملامح القدوة بين البلدان، وتفكيك كيفية أدائها في الأمور التي تحسن فيها صنعاً.

الرسم البياني الثالث: غانا مقابل نيجيريا.. مقارنة كاشفة أخرى

يمكن للدول أيضاً أن تحظى بمستويات مختلفة من التقدم الاجتماعي حتى لو كانت تتمتّع بمستويات متماثلة من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. أداء غانا (58.29) أفضل من حيث التقدم الاجتماعي بالمقارنة مع نيجيريا (43.31)، على الرغم من أن ناتجها المحلي الإجمالي هو 3864 دولاراً، ويقل عن مثيله في نيجيريا والبالغ 5423 دولاراً.

3

ما الذي يحدث هنا؟ أداء غانا يفوق أداء نيجيريا تقريبا في جميع جوانب التقدم الاجتماعي، وبشكل خاص من حيث الحقوق الشخصية، وتوفير الوصول إلى المعلومات والاتصالات، على الرغم من وضعها الاقتصادي يمكن أن يكون أقوى بكثير مما هو عليه الآن. وفي الوقت نفسه، يتدنّى أداء نيجيريا. فهي لا تحول الموارد الاقتصادية بشكل فعال إلى ناتج محلي إجمالي. تحتاج نيجيريا إلى استراتيجية نمو شاملة للتأكد من أن ثروتها النفطية يستفيد منها الشعب بأكمله.

الرسم البياني الرابع: المفرطون في الأداء

تفرط بعض الدول في أدائها من حيث التقدم الاجتماعي المحرز نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. كوستاريكا جعت أكثر نقاط فرط الأداء، وأظهرت قوة في جميع الأبعاد. الدرس الرئيسي هنا هو أن بناء التقدم الاجتماعي يتطلّب مثابرة. لطالما حظيت كوستاريكا بأنظمة قوية في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وتقاليد ديمقراطيّة مديدة. يقيس مؤشر التقدّم الاجتماعي المخرجات مثل متوسط ​​العمر المتوقع، ومعدل محو الأمية، لا المدخلات مثل القوانين التي صدرت أو الأموال التي تنفق. وبالتالي، لا يحتمل هذا المؤشر غشاً أو ترقيعات سريعة.

4

بالنسبة لبعض البلدان، قد يكون فرط الأداء في الواقع علامة على تدهور اقتصادي وليس تقدماً. يرتبط فرط الأداء بالناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، ويميل الناتج المحلي الإجمالي إلى الارتفاع والانخفاض بسرعة، في حين يتحرك مؤشر التقدّم الاجتماعي على نحو أبطأ. إذا انخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد انخفاضاً سريعاً في حين استغرق مؤشر التقدم مدة أطول في الانخفاض، فقد يبدو الأداء نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد وكأنه يتحسن. فرط أداء بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق يوضح هذه النقطة: مولدوفا وقرغيزستان وطاجيكستان لم يكن أداؤها الاقتصادي جيداً أبداً مدى 20-25 عاماً الماضية، ولكن المؤشرات الاجتماعية أفضل مما كان متوقعاً بسبب إرث الاستثمار في الخدمات الأساسية فيها، عندما كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي.

الرسم البياني الخامس: المقصرون

تبدي البلدان المتضررة من الصراع في كثير من الأحيان أداءاً مخيباً، كما هو الحال في الدول ذات الثروات الطبيعية. لكن ذلك هو حال دول صناعية كبرى في العالم، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا.

5

ببساطة، فالمجتمعات التي تستبعد الناس وتقصيهم أداؤها ضعيف من حيث التقدم الاجتماعي. وهذا من أسباب كون الولايات المتحدة في المرتبة 16. تحظى أمريكا بواحد من أفضل نظم الرعاية الصحية في العالم، لكن ليس للجميع. نرى الإقصاء عبر مجمل بطاقة نتائج الولايات المتحدة: قصور في الرعاية الصحية، نقص فرص التعليم، عدم الوصول إلى المعلومات، عدم الوصول إلى الأمان، بل وحتى عدم الحصول على مياه الأنابيب (بالمقارنة مع أقرانها من الدول الغنية).

وفي الوقت نفسه، تشترك فرنسا وإيطاليا بعامل مشترك مهم: كلاهما يبديان ضعفاً في الفرص، مع درجات منخفضة من حقوق الملكية الخاصة، وحرية الدين، والتسامح مع الأقليات. بالإضافة إلى ذلك، تظهر بطاقة نتائج إيطاليا مستويات مبالغ بها من الفساد، بينما تظهر في فرنسا مسألة التمييز ضد الأقليات. كلاهما أيضاً ضعيف نسبياً من حيث فرص الحصول على التعليم العالي.

ملاحظة أخيرة: يبدو أن الاقتصادات سريعة النمو مثل الصين مقصّرة في التقدم الاجتماعي. ذلك أن الثروة الجديدة لم تترجم بعد إلى نتائج اجتماعية أفضل: فالاستثمارات في التعليم والرعاية الصحية قد تستغرق وقتاً طويلا لتؤتي ثمارها، أو أنها لم تُوظّف بعد.

الرسم البياني السادس: أداء العالم

عملنا هذا العام على تحديد درجة التقدم الاجتماعي للعالم. أخذنا متوسطات جميع الدول مثقّلة حسب عدد سكّانها، وجمعناها بعضها إلى بعض. أعطانا هذا مستوى من التقدم الاجتماعي يبلغ 61 من 100. ما يعني أن الإنسان المتوسط يعيش بمستوى تقدم اجتماعي يتراوح بين كوبا وكازاخستان.

6

في الجوانب المتعلّقة بالتغذية والرعاية الطبية الأساسية والوصول إلى المعرفة الأساسية، سجّل العالم علامة عالية جداً بلغت 85 درجة. وتعدّ هذه الأمور محاور تركيز الأهداف الإنمائية للألفية، والتي أرى أنها مناطق يمكن للعالم أن يحرز فيها تقدماً. ومع النمو الاقتصادي والسياسات الصحيحة – بمساعدة المعونات الدولية أحياناً- أعتقد أن بمقدورنا جعل العالم يقترب من درجة 100 القصوى من حيث الاحتياجات الإنسانية الأساسية والحصول على المعارف الأساسية، وكذلك في مجال المياه والصرف الصحي (الذي يعاني من بعض التخلف حالياً ولكن يمكن أن يتحسن كثيراً). يجب تحسين الوصول إلى المعلومات والاتصالات تحسيناً كبيراً، نظراً لأن التكنولوجيا تخفض التكلفة وتزيد فرص الحصول على الهواتف المحمولة والإنترنت. ومن المرجّح أن يتحسّن أيضاً الحصول على التعليم العالي مع ازدياد ثراء الدول.

لكن ثمّة أسئلة كبيرة تتعلق بالسلامة الشخصية، والحقوق الشخصية، والحرية الشخصية، والتسامح، والاستيعاب. ويتعيّن على البلدان انتقاء خيارات أفضل لتحسينها. إذ اختارت بعض الدول كجزء من استراتيجيتها التنموية أن لا تضع الحقوق الشخصية في أولوياتها، بحجّة التركيز على النمو والحفاظ على السلطوية فيها. كما أن التسامح والاندماج منخفضان لأن البلدان على اختلاف مستويات الدخل فيها تناضل في سبيل هذه القضايا. إذا كان لنا أن نفكر في ما يحدث في العالم مع الدولة الإسلامية أو مع شارلي ايبدو أو مع المتطرفين البوذيين في ميانمار، فإنّ السؤال بشأن كيفية العيش معاً في مجتمعات التسامح والاندماج هو سؤال مهم حقاً. كثيراً ما ينظر إلى هذه المسألة على أنها قضية منفصلة، وليست جزءاً من ماهيّة التنمية.

ولكن الأكثر إثارة للقلق من ذلك كله هو الصحة والعافية واستدامة النظام البيئي، لأننا لا نلمس تحسناً فيها مع ارتفاع الثروة. فمع التصنيع، حتى وإن كنت تهتم قليلاً بالطبيعة، تبدأ باستهلاك المزيد من الموارد. ومن حيث الصحة، لا ننظر فحسب إلى متوسط ​​العمر المتوقع، بل نبحث أيضاً في أمور مثل معدل السمنة والوفيات الناجمة عن تلوث الهواء، ومعدلات الانتحار، وهي أمور لا تتحسّن مع ازدياد الثراء. ولن نشهد تحسناً في هذه الجوانب ما لم نفعل شيئاً مختلفاً. وقد حان وقت الإتيان بحلول جديدة.

Advertisements

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: