تعليق واحد

أزمة سوريّة: على دول الخليج أن تفتح أبوابها أمام اللاجئين السوريين

سلطان سعود القاسمي

سلطان سعود القاسمي

بقلم: سلطان سعود القاسمي

ترجمة: ماهر الجنيدي

للاطلاع على النص الإنجليزي الأصل، انقر هنا.

شهد العالم على مدى السنوات القليلة الماضية أكبر أزمة لجوء في القرن الحادي والعشرين، تتكشّف أحداثها على الهواء مباشرة عبر شاشات التلفزيون. وما بدأ كاحتجاجات سلمية من جانب سوريين طالبوا بحقوقهم، سرعان ما تحول إلى أعنف وأقسى صراع شهدته هذه المنطقة منذ عقود.

لاجئون سوريون يعبرون مقدونيا (Marko Djurica/Reuters)

والسوريّون عالقون اليوم بين آلة القتل الوحشية لنظام بشار الأسد والقسوة الوحشية لجماعة إرهابية رفعت سويّة الشر والهمجية تجاه البشر والحضارة..

ومع تدهور الأوضاع، بدأ عشرات آلاف السوريين اليائسين يستقلّون القوارب في رحلات محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا. ونمت الانتقادات الموجّهة إلى دول الخليج- الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، قطر، الكويت، البحرين، سلطنة عمان- التي كان يجري التغافل عنها حتى وقت قريب عندما يتعلّق الأمر بتقصيرها في دعم وإعادة توطين اللاجئين السوريين المشرّدين.

لم توقّع دول الخليج على اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1951 للاجئين، والتي تضع تعريفاً للاجئين وتضبط في الوقت ذاته حقوقهم ومسؤولياتهم تجاهها.

هذا لا يعني أن دول الخليج لم تستضف لاجئين في الماضي. يوجد عدد كبير من الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين ممّن يعيشون حالياً في دول الخليج. نزح هؤلاء الأفراد في أعقاب صراعات شهدتها بلدانهم، لكن لم يُشَر إليهم إطلاقاً كلاجئين. العديد من هؤلاء المستوطنين أصبحوا الآن مواطنين بحكم التجنس، وأصبحوا أصحاب مشاريع ناجحة.

توجد أيضاً سابقة، استقبلت فيها دول الخليج لاجئين. فقبل ربع قرن مُنح مئات الآلاف من الكويتيين اللجوء في الخليج بعدما غزا صدّام حسين بلادهم. في أبوظبي، استأجرت الحكومة مباني سكنية بأكملها ومنحتها مجاناً للأسر. وخصص والدي مجّاناً مجلساً للكويتيين للالتقاء في الطابق الأرضي من أحد مبانيه.

لا أحد يشكّك بالتأثير العالمي لدول الخليج الست. يطلق عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية الإماراتي، على العصر الحالي تسمية “لحظة الخليج العربي في التاريخ”. فدول الخليج لديها بعض أكبر الميزانيات العسكرية في العالم، وبلغ إنفاقها مجتمعةً نحو 1 مليار دولار في العام 2012 وحده.

انبثقت دول الخليج مثل مراكز عصبية للدبلوماسية العربية والثقافة العربية والإنتاج الاعلامي العربي والتجارة العربية والسياحة العربية، حيث حشدت وكدّست لديها درجة غير مسبوقة من القوة الناعمة، لا مثيل لها في المنطقة ولا خارجها.

وقد سبق لي أن ناقشتُ بكثير من الحفيظة والسخط أن مدن الخليج بدأت تحل محل العواصم العربية التقليدية من حيث الأهمية. الجزء المهيمن من صناعة الأخبار العربية القاهر تمسك به بإحكام أيدي الخليج، من قناة الجزيرة في الدوحة إلى قناة العربية في دبي، واللتين معاً توجّهان جزءاً كبيراً من جمهور الأخبار، على الرغم من تخبطهما في السنوات القليلة الماضية.

كما تشكّل دول الخليج الكتلة الأكثر نفوذاً في جامعة الدول العربية التي تبلغ من العمر 70 عاماً. وتجلّت قوتها في العام 2011 عندما سعت لتعليق عضويّة سورية في الجامعة العربية، وإلى تدخل الأمم المتحدة في ليبيا.

ولكن القوة الكبيرة تعني مسؤولية كبيرة. ويجب على الخليج أن يدرك أن الوقت قد حان لتغيير سياسته تجاه قبول اللاجئين جرّاء الأزمة السورية. إنها خطوة معنوية وأخلاقية ومسؤولة مطلوبة.

ثمة من يحاول تبرير موقف الخليج متذرعاً بأسباب أمنية. لاقى رئيس أحد مراكز البحوث في الخليج مؤخراً انتقادات لاذعة بسبب قوله إنّ “تكاليف المعيشة في الخليج باهظة” على اللاجئين، وقوله إنّ هؤلاء اللاجئين يعانون من الصدمة بسبب الحرب، زاعماً أنّهم لن يتكيفوا مع المجتمع.

وأظن أن دول الخليج قد تكون حذرة أيضاً من السماح لعدد كبير من العرب الصاخبين سياسياً من الدخول إليها، ما قد يؤثر بطريقة أو بأخرى على مجتمعاتها التي تصنّف –تقليدياً- بأنها مجتمعات سلبية سياسياً.

لحسن الحظ، فإن الكويت، الدولة الخليجية الرائدة في مجال حقوق الإنسان (على الرغم من الانتكاسات الأخيرة) منحت 120 ألف سوريّ مقيم فيها تصاريح إقامة طويلة الأمد، الأمر الذي يعني أنه لن يُطلب منهم مغادرة البلاد عن انتهاء صلاحية وضعهم القانوني.

الإمارات العربية المتحدة، والتي تعدّ عاصمتها واحدة من الجهات المانحة القليلة التي تجاوزت باستمرار توصيات الأمم المتحدة بشأن معدلات المساعدات بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، مولت مخيماً كاملاً للاجئين في الأردن يؤوي عشرات آلاف السوريين. كما تبرعت حكومتا السعودية وقطر بالأموال والطعام والمأوى والملبس للاجئين السوريين في لبنان وتركيا والأردن. وبالمجموع قدّمت دول الخليج أكثر من 900 مليون دولار للاجئين السوريين، وفقاً لبيانات ReliefWeb.

ولكن هناك نحو تسعة ملايين لاجئ سوري تركوا منازلهم منذ بدء الانتفاضة في مارس/ آذار 2011. وتقدّر منظّمة Mercy Corps أن تركيا تستضيف 1.6 مليون لاجئ سوري، في حين استقبل لبنان 1.1 مليوناً. فيما تستقبل مصر والأردن والعراق على الترتيب 130، و620، و240 ألف لاجئ سوري. فيما يبلغ الرصيد النهائي لعدد اللاجئين السوريين في دول الخليج العربية الست مجموعاً كلياً يبلغ الصفر.

بذلك، منذ بداية الحرب فرّ العديد من السوريين إلى دول الخليج، معظمهم مهاجرون لأسباب اقتصادية، وكثير منهم يحملون جوازات سفر غربية فيما قلة منهم مؤهلون كلاجئين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة 1951. وبالإضافة إلى الأسباب الأخلاقية، فإن استقبال اللاجئين يساعد في معالجة بعض الانتقادات التي أثارتها حالة حقوق الإنسان في هذه الدول الخليجية.

لطالما كان السوريون متعاطفين مع اللاجئين العرب في الماضي. ففي 1948 استقبلت سورية عدداً كبيراً من اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا في أعقاب قيام دولة إسرائيل. وحين احتلت إسرائيل المزيد من الأراضي العربية في 1967 جاءت موجة ثانية من الفلسطينيين إلى سورية.

ومنذ 1975 وصاعداً استوعبت سورية اللاجئين اللبنانيين الذين فروا من الحرب الأهلية، وفي 2003 استقبلت مئات آلاف العراقيين الذين لجأوا إلى سوريّة في أعقاب الفوضى التي تلت سقوط نظام صدام حسين.

غالباً ما تشكو دول الخليج من أن اللغة العربية لا تستخدم بكثرة فيها، وأن ثقافتنا مهددة بسبب كثرة الوافدين الأجانب. وهذه فرصة لاستضافة مجموعة بشرية يمكنها أن تساعد في تخفيف تلك المخاوف، وهي في حاجة إلى ملجأ هرباً من حرب وحشية في بلادها.

لا يريد اللاجئون السوريون أن يعيشوا حياتهم، جيلاً وراء جيل، في مخيّمات، مثل الفلسطينيين الذين ما كانوا أيضاً يريدون العيش في مخيمات عاشوا فيها منذ 67 عاماً. ولو كانت دول الخليج هي الغارقة في صراع دموي، هل كنّا نريد خياماً ومخيمات تُبنى لنا في الصحراء أم أن نعيش حياة طبيعية في مدن وبلدات؟

ينبغي لدول الخليج أن تأخذ بقصيدة “التمثال الجديد” للشاعرة الأمريكيّة إيما لازاروس من القرن التاسع عشر:

“أعطني جموعك التعبة

جموعك الفقيرة، الغفيرة، التوّاقة للتنفس بحريّة*

أكوام النفايات البائسة على شاطئك المزدحم

أرسل لي هؤلاء المشردين الذين تلاطمت بهم الأمواج والعواصف

فأنا أرفع لهم مصباحي بجانب الباب الذهبي!”.

* تنطبق الشروط.

———————————

سلطان سعود القاسمي. معلق في الشؤون العربية. يمكنك متابعته على تويتر على: @sultanalqassemi

يرجى الإشارة إلى المصدر، وإبلاغ المعنيين، حين الاقتباس.

Advertisements

One comment on “أزمة سوريّة: على دول الخليج أن تفتح أبوابها أمام اللاجئين السوريين

  1. هناك خطاء في الرقم المنقول عن النص الأصلي، النص الإنجليزي أورد أن الإنفاق العسكري بلغ ١٠٠ مليار وليس مليار دولار. جهدك مشكور

يرجى تسجيل تعليقك..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: