تعليق واحد

أزمة سوريّة: على دول الخليج أن تفتح أبوابها أمام اللاجئين السوريين

سلطان سعود القاسمي

سلطان سعود القاسمي

بقلم: سلطان سعود القاسمي

ترجمة: ماهر الجنيدي

للاطلاع على النص الإنجليزي الأصل، انقر هنا.

شهد العالم على مدى السنوات القليلة الماضية أكبر أزمة لجوء في القرن الحادي والعشرين، تتكشّف أحداثها على الهواء مباشرة عبر شاشات التلفزيون. وما بدأ كاحتجاجات سلمية من جانب سوريين طالبوا بحقوقهم، سرعان ما تحول إلى أعنف وأقسى صراع شهدته هذه المنطقة منذ عقود.

لاجئون سوريون يعبرون مقدونيا (Marko Djurica/Reuters)

والسوريّون عالقون اليوم بين آلة القتل الوحشية لنظام بشار الأسد والقسوة الوحشية لجماعة إرهابية رفعت سويّة الشر والهمجية تجاه البشر والحضارة..

ومع تدهور الأوضاع، بدأ عشرات آلاف السوريين اليائسين يستقلّون القوارب في رحلات محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا. ونمت الانتقادات الموجّهة إلى دول الخليج- الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، قطر، الكويت، البحرين، سلطنة عمان- التي كان يجري التغافل عنها حتى وقت قريب عندما يتعلّق الأمر بتقصيرها في دعم وإعادة توطين اللاجئين السوريين المشرّدين.

لم توقّع دول الخليج على اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1951 للاجئين، والتي تضع تعريفاً للاجئين وتضبط في الوقت ذاته حقوقهم ومسؤولياتهم تجاهها.

هذا لا يعني أن دول الخليج لم تستضف لاجئين في الماضي. يوجد عدد كبير من الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين ممّن يعيشون حالياً في دول الخليج. نزح هؤلاء الأفراد في أعقاب صراعات شهدتها بلدانهم، لكن لم يُشَر إليهم إطلاقاً كلاجئين. العديد من هؤلاء المستوطنين أصبحوا الآن مواطنين بحكم التجنس، وأصبحوا أصحاب مشاريع ناجحة.

توجد أيضاً سابقة، استقبلت فيها دول الخليج لاجئين. فقبل ربع قرن مُنح مئات الآلاف من الكويتيين اللجوء في الخليج بعدما غزا صدّام حسين بلادهم. في أبوظبي، استأجرت الحكومة مباني سكنية بأكملها ومنحتها مجاناً للأسر. وخصص والدي مجّاناً مجلساً للكويتيين للالتقاء في الطابق الأرضي من أحد مبانيه.

لا أحد يشكّك بالتأثير العالمي لدول الخليج الست. يطلق عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية الإماراتي، على العصر الحالي تسمية “لحظة الخليج العربي في التاريخ”. فدول الخليج لديها بعض أكبر الميزانيات العسكرية في العالم، وبلغ إنفاقها مجتمعةً نحو 1 مليار دولار في العام 2012 وحده.

انبثقت دول الخليج مثل مراكز عصبية للدبلوماسية العربية والثقافة العربية والإنتاج الاعلامي العربي والتجارة العربية والسياحة العربية، حيث حشدت وكدّست لديها درجة غير مسبوقة من القوة الناعمة، لا مثيل لها في المنطقة ولا خارجها.

وقد سبق لي أن ناقشتُ بكثير من الحفيظة والسخط أن مدن الخليج بدأت تحل محل العواصم العربية التقليدية من حيث الأهمية. الجزء المهيمن من صناعة الأخبار العربية القاهر تمسك به بإحكام أيدي الخليج، من قناة الجزيرة في الدوحة إلى قناة العربية في دبي، واللتين معاً توجّهان جزءاً كبيراً من جمهور الأخبار، على الرغم من تخبطهما في السنوات القليلة الماضية.

كما تشكّل دول الخليج الكتلة الأكثر نفوذاً في جامعة الدول العربية التي تبلغ من العمر 70 عاماً. وتجلّت قوتها في العام 2011 عندما سعت لتعليق عضويّة سورية في الجامعة العربية، وإلى تدخل الأمم المتحدة في ليبيا.

ولكن القوة الكبيرة تعني مسؤولية كبيرة. ويجب على الخليج أن يدرك أن الوقت قد حان لتغيير سياسته تجاه قبول اللاجئين جرّاء الأزمة السورية. إنها خطوة معنوية وأخلاقية ومسؤولة مطلوبة.

ثمة من يحاول تبرير موقف الخليج متذرعاً بأسباب أمنية. لاقى رئيس أحد مراكز البحوث في الخليج مؤخراً انتقادات لاذعة بسبب قوله إنّ “تكاليف المعيشة في الخليج باهظة” على اللاجئين، وقوله إنّ هؤلاء اللاجئين يعانون من الصدمة بسبب الحرب، زاعماً أنّهم لن يتكيفوا مع المجتمع.

وأظن أن دول الخليج قد تكون حذرة أيضاً من السماح لعدد كبير من العرب الصاخبين سياسياً من الدخول إليها، ما قد يؤثر بطريقة أو بأخرى على مجتمعاتها التي تصنّف –تقليدياً- بأنها مجتمعات سلبية سياسياً.

لحسن الحظ، فإن الكويت، الدولة الخليجية الرائدة في مجال حقوق الإنسان (على الرغم من الانتكاسات الأخيرة) منحت 120 ألف سوريّ مقيم فيها تصاريح إقامة طويلة الأمد، الأمر الذي يعني أنه لن يُطلب منهم مغادرة البلاد عن انتهاء صلاحية وضعهم القانوني.

الإمارات العربية المتحدة، والتي تعدّ عاصمتها واحدة من الجهات المانحة القليلة التي تجاوزت باستمرار توصيات الأمم المتحدة بشأن معدلات المساعدات بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، مولت مخيماً كاملاً للاجئين في الأردن يؤوي عشرات آلاف السوريين. كما تبرعت حكومتا السعودية وقطر بالأموال والطعام والمأوى والملبس للاجئين السوريين في لبنان وتركيا والأردن. وبالمجموع قدّمت دول الخليج أكثر من 900 مليون دولار للاجئين السوريين، وفقاً لبيانات ReliefWeb.

ولكن هناك نحو تسعة ملايين لاجئ سوري تركوا منازلهم منذ بدء الانتفاضة في مارس/ آذار 2011. وتقدّر منظّمة Mercy Corps أن تركيا تستضيف 1.6 مليون لاجئ سوري، في حين استقبل لبنان 1.1 مليوناً. فيما تستقبل مصر والأردن والعراق على الترتيب 130، و620، و240 ألف لاجئ سوري. فيما يبلغ الرصيد النهائي لعدد اللاجئين السوريين في دول الخليج العربية الست مجموعاً كلياً يبلغ الصفر.

بذلك، منذ بداية الحرب فرّ العديد من السوريين إلى دول الخليج، معظمهم مهاجرون لأسباب اقتصادية، وكثير منهم يحملون جوازات سفر غربية فيما قلة منهم مؤهلون كلاجئين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة 1951. وبالإضافة إلى الأسباب الأخلاقية، فإن استقبال اللاجئين يساعد في معالجة بعض الانتقادات التي أثارتها حالة حقوق الإنسان في هذه الدول الخليجية.

لطالما كان السوريون متعاطفين مع اللاجئين العرب في الماضي. ففي 1948 استقبلت سورية عدداً كبيراً من اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا في أعقاب قيام دولة إسرائيل. وحين احتلت إسرائيل المزيد من الأراضي العربية في 1967 جاءت موجة ثانية من الفلسطينيين إلى سورية.

ومنذ 1975 وصاعداً استوعبت سورية اللاجئين اللبنانيين الذين فروا من الحرب الأهلية، وفي 2003 استقبلت مئات آلاف العراقيين الذين لجأوا إلى سوريّة في أعقاب الفوضى التي تلت سقوط نظام صدام حسين.

غالباً ما تشكو دول الخليج من أن اللغة العربية لا تستخدم بكثرة فيها، وأن ثقافتنا مهددة بسبب كثرة الوافدين الأجانب. وهذه فرصة لاستضافة مجموعة بشرية يمكنها أن تساعد في تخفيف تلك المخاوف، وهي في حاجة إلى ملجأ هرباً من حرب وحشية في بلادها.

لا يريد اللاجئون السوريون أن يعيشوا حياتهم، جيلاً وراء جيل، في مخيّمات، مثل الفلسطينيين الذين ما كانوا أيضاً يريدون العيش في مخيمات عاشوا فيها منذ 67 عاماً. ولو كانت دول الخليج هي الغارقة في صراع دموي، هل كنّا نريد خياماً ومخيمات تُبنى لنا في الصحراء أم أن نعيش حياة طبيعية في مدن وبلدات؟

ينبغي لدول الخليج أن تأخذ بقصيدة “التمثال الجديد” للشاعرة الأمريكيّة إيما لازاروس من القرن التاسع عشر:

“أعطني جموعك التعبة

جموعك الفقيرة، الغفيرة، التوّاقة للتنفس بحريّة*

أكوام النفايات البائسة على شاطئك المزدحم

أرسل لي هؤلاء المشردين الذين تلاطمت بهم الأمواج والعواصف

فأنا أرفع لهم مصباحي بجانب الباب الذهبي!”.

* تنطبق الشروط.

———————————

سلطان سعود القاسمي. معلق في الشؤون العربية. يمكنك متابعته على تويتر على: @sultanalqassemi

يرجى الإشارة إلى المصدر، وإبلاغ المعنيين، حين الاقتباس.

أضف تعليق

ماذا تريد اليونان من السوريين؟

ماذا تريد اليونان من السوريين؟

قد يتخذ السؤال بعداً إنسانياً محضاً إذا جعلناه يعنى باللاجئين السوريين. لكنّه بالتأكيد سيأخذ بعداً أخلاقياً مؤرّقاً صادماً إذا صغنا السؤال على النحو التالي: هل تتواطأ الحكومة اليونانية مع مافيات التجارة بالمهاجرين السوريين غير الشرعيين؟ ثم، أين أخلاقيات اليسار الحاكم في اليونان من هذا التحالف الأسود؟

يجهد السوريون اليوم في تعلّم خبرات بعضهم في مواضيع الهجرة واللجوء والاندماج مع المجتمعات الأخرى. فالهجرة أمر، واللجوء أمر آخر. وبالنسبة للسوريين الذين يفكرون باللجوء إلى إحدى الدول الأوروبية، هناك في البداية مصطلحان أساسيان ينبغي عليهما استيعابهما، ويتعيّن فهمهما جيداً قبل البدء برحلة “العمر”.

Greece Image

المصطلح الأول هو “شِنْغِن”. و”شنغن” هي تأشيرة دخول، يحصل عليها المرء من معظم الدول الأوروبية المنضمّة إلى الاتحاد الأوروبي، وتتيح لحاملها التجوّل بين دول منطقة “شنغن” من دون حواجز أو تدقيق أو تفتيش، وكأنه في رحلة داخلية من حلب إلى حمص أيام زمان، أو من غازي عنتاب إلى مرسين هذه الأيام.

بعض دول الاتحاد الأوروبي ليست من “شنغن”، بمعنى أنها تتطلب تأشيرة خاصة لدخولها. إيرلندا والمملكة المتحدة مثلاً. دون أن ننسى أيضاً أن بعض الدول الأوروبية ليست في الأصل عضواً في الاتحاد الأوربي. سويسرا الجميلة الخلابة.

المصطلح الثاني هو “دبلن”. و”دبلن” هي اتفاقية تتعلق باللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي. تقضي هذه الاتفاقية بمنح الدولة التي استقبلت اللاجئ أولاً شرف إبقائه لديها لاجئاً ورعايته والاهتمام بأموره وفق أنظمتها المحليّة. أن يحطّ اللاجئ في إسبانيا أولاً، ثم يختار اللجوء إلى بلجيكا أو غيرها، هو أمر لا ترضى به “نظرياً” إسبانيا لأنه يحرمها من شرف استضافة اللاجئ، ولا ترضى به “عملياً” بلجيكا إذ يضيف على كاهلها عبئاً فوق أعباء تنوء بها، وهي ترى أن إسبانيا أَولى بإيوائه واستضافته.

إذن، يمكن للسوري المحظوظ الحصول على التأشيرة، ليصول ويجول في دول منطقة “شنغن” كما يشاء، يسرح فيها ويمرح من دون عوائق، بشرط أن لا يفكّر بتقديم اللجوء إلا في بلد دخوله الأول إلى هذه المنطقة، وفق ما تقتضيه “دبلن”.

الاستثناء الوحيد في هذا الأمر يتعلّق باليونان. فاليونان غير ملزمة باتفاقية “دبلن”، ما يعني أن بمقدور زائرها السوريّ الحاصل على تأشيرة نظامية منها أن يمضي ليطلب اللجوء في أي دولة “شنغن” أوروبية أخرى. فاليونان تتنازل عن شرف منح اللجوء لأي دولة “شنغن” أخرى.

واليونان استثناء وحيد أيضاً من حيث التدابير الحدودية مع الدول المجاورة، أو ربما إحدى الدول الاستثنائية في هذا الأمر. فالخارجون من اليونان عبر حدودها البريّة أو موانئها البحريّة أو الجويّة، يخضعون لتفتيش دقيق على صلاحية ثبوتيات هوياتهم، وتأشيراتهم. وهنا يضطر من لا يحمل مثل هذه الوثائق أن ينفق ما بين 3 آلاف يورو و7 آلاف يورو، على المهرّبين، في رحلة انتقاله إلى ألمانيا مثلاً. يدفعها لهم مقابل حصوله على وثائق مزيفة، أو مزورة، أو منحولة، ووسيلة انتقال بري تستغرق أياماً، في رحلة لا تخلو من مخاطر قطّاع الطرق، جزء منها سيراً على الأقدام. وإلا، فأمام اللاجئ أن ينحو نحو المحاولات المتكررة للسفر جواً إلى دولة “شنغن” أخرى، إما أن تكون الدولة التي يرغب باللجوء إليها، أو دولة عبور أقل تشدداً في تدابيرها الحدودية نحو الدولة المرغوبة.

كم يتمنّى السوريّ لو أن السويد تتبادل مع اليونان موقعها الجغرافيّ!

فاللاجئ غير الشرعي العابر باليونان، القادم من لجّة البحر بعد أن نجا من قراصنة البحر الملثمين الذين قد يعترضون طوافته ليصادروا أمواله ومن ثم روحه، ينفق في بلاد الإغريق مبلغاً مهماً بالمقارنة مع إنفاق سائح سوري نظامي، يحصل على تأشيرة” شنغن” نظامية من السفارة اليونانية في بلد إقامته، ويستقل طائرة يونانية للوصول إلى أثينا، ويستأجر سيارة يونانيّة خاصة متنقلاً طيلة مدة إقامته بين جزر اليونان ومنتجعاتها. فاللاجئ “غير الشرعي” يدفع أيضاً أجور إقامة فندقية لمدة أطول بكثير من السائح الذي يمضي أسبوعاً في اليونان، يرتحل بعدها إلى إيطاليا، أو ربما يعود إلى مكان إقامته الأصلية.

السؤال الذي يطرح: هل حقاً يشكّل اللاجئون (السوريون وغيرهم) غير الشرعيين الذين يحطون في شواطئ اليونان مصدراً مهمّاً للأموال، بالمقارنة مع ما يمكن لمواطنيهم (السوريين وغيرهم) أن ينفقوا في رحلة نظامية؟

قد تتفاوت الإجابات، لكن حظر الحصول على تأشيرات يونانية، أو عرقلتها، يعدّ وفق خبراتنا في دول الفساد مصدراً مهماً لاقتصاد موازٍ، لاعبوه الأساسيون متنفذون في بنية صنع القرار في اليونان.

ومن هنا، فإن الاستفادة من حظر الوصول النظامي إلى اليونان لا يفيد فحسب مافيات التهريب، وقطّاع الطرق، وعصابات النصب، على حساب دماء وأرواح وأرزاق السوريين وأمثالهم، بل قد يفيد أيضاً بعض الموظفين الفاسدين الذين عثروا على مصدر هائل للرشوات، فلا يمررون تأشيرة “شنغن” نظامية، إلا مقابل المعلوم.

ثمة تحالف أسود يستشعره السوريون، اللاجئون غير الشرعيون، العابرون في اليونان: تأخير في المعاملات، ابتزاز للأموال، استخفاف بالأرواح. أفخاخ القراصنة قبل الوصول إلى البر، وأفخاخ قطّاعي الطرق قبل الولوج إلى أوروبا الكبرى.

أسئلة تكتسب مشروعيتها: ماذا تريد اليونان من السوريين؟ ألا يغدو السؤال مشروعاً عمّا إذا كانت تدابير الحكومة اليونانية تمثّل تواطؤاً غير معلن مع مافيات التجارة بالمهاجرين السوريين غير الشرعيين؟

لماذا، ياربّ، لم تقع اليونان في شمال القارة الأوروبية، والسويد في جنوبها؟

———-

نشره ملحق “تيارات” في صحيفة الحياة اللندنية يوم الأحد 9 آب 2015. لقراءة النص في موقع الصحيفة انقر هنا.

 Screen Shot 2015-08-09 at 5.35.48 PM

أضف تعليق

لماذا لا ينبغي لنا أن نحكم على البلاد حسب ناتجها المحلي الإجمالي

بقلم: مايكل غرين

ترجمة: ماهر الجنيدي

للاطّلاع على النص الأصل، انقر هنا. يرجى الإشارة للمصدر، وإبلاغنا، عند الاقتباس.

يعدّ الناتج المحلي الإجمالي مقياساً لنجاح الدول. لكن مايكل غرين يقول إنّ الناتج المحلي الإجمالي ليس أفضل طريقة لقياس جودة المجتمع. ما البديل؟ إنه مؤشر التقدم الاجتماعي، الذي يقيس أموراً مثل الاحتياجات البشرية الأساسية والفرص الإنسانية.

0

هناك دائماً محللون وصحفيون ومفكرون كبار يحبون التحدث عن الناتج المحلي الإجمالي. ببساطة، فالناتج المحلي الإجمالي الذي يعبّر عن قيمة جميع السلع والخدمات التي ينتجها البلد كل عام، أصبح المقياس الذي يقيس نجاح البلاد. ولكن هناك مشكلة يتم التغاضي عنها: لا يمثّل الناتج المحلي الإجمالي سوى الأداء الاقتصادي للدول، وليس مستوى سعادة مواطنيها أو رفاهيتهم. مع الناتج المحلي الإجمالي، إذا ازداد أغنى 100 شخص ثراءً، يرتفع ناتجك المحلي الإجمالي.. فيما يظلّ معظم مواطنيك بنفس قدر السوء الذي كانوا عليه.

هذا أحد أسباب أن الفريق الذي أقوده في “Social Progress Imperative” أطلق مؤشر التقدم الاجتماعي 2014. يحدد مؤشر التقدم الاجتماعي ما يعنيه أن يكون المجتمع صالحاً، وفقاً لثلاثة أبعاد هي: الاحتياجات الإنسانية الأساسية (الغذاء والماء والمأوى والسلامة)، أسس الرفاه (التعليم الأساسي، والمعلومات، والصحة، والبيئة المستدامة)؛ والفرص (امتلاك الناس حقوقهم، حرية الاختيار، التحرر من التمييز، والوصول إلى التعليم العالي).

تشكّل هذه المكونات الـ12 معاً إطار التقدم الاجتماعي. قيّمناها باستخدام بيانات مجموعة واسعة من المصادر الدولية (انظر قائمة كاملة) لتقييم 133 بلداً، بغية التوصل إلى ترتيب أكثر دول العالم تقدماً اجتماعياً. وهذا العام، ولأول مرة، قسنا مجمل تقدم العالم. وفيما يلي ستة رسوم بيانية من ترتيب 2015، أعتقد أنها تقول الكثير.

الرسم البياني الأوّل: أعلى 68 دولة على مؤشر التقدم الاجتماعي

مثير للاهتمام، ولكن ليس مفاجئاً جداً، فالنتائج الأعلى في مؤشر 2015 تتشابه كثيراً مع نتائج العام الماضي. التقدم الاجتماعي أقل تطايراً من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي لن يتقافز مؤشر التقدم الاجتماعي من سنة إلى أخرى.

1

تصدرت النرويج قائمة هذا العام. اذا نظرتم إلى نتائجها، فإن نتائجها استثنائية في الأبعاد الثلاثة جميعاً، وضع ممتاز من حيث توفر المياه والصرف الصحي، وأداء جيد جداً في التعليم الأساسي وفي توفير خيارات وحرية شخصية كبيرة. يرتفع في النرويج الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، وذلك بفضل وفرة الموارد الطبيعية. ولكن هذا ليس هو الحال دائماً. فالعديد من البلدان الغنية بالموارد- من الكويت الى أنغولا- لا تشارك جيداً في فوائد ثروتها، وبالتالي ينخفض التقدم الاجتماعي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. قد يكون هذا هو الحال، لأن الثروات الطبيعية لا تتطلب مستوى الاستثمارات في رأس المال البشري والاجتماعي الذي يتطلّبه النمو الاقتصادي واسع النطاق، إذ لا توجد لدى الحكومات الحوافز ذاتها لتوظيف تلك الاستثمارات. ولكن مهما كان السبب، يجب أن تكون النرويج نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى الغنية بالموارد.

الرسم البياني الثاني: نيوزيلندا مقابل النرويج.. مقارنة كاشفة

قد تحظى دول بمستويات مماثلة من التقدم الاجتماعي، مع مستويات مختلفة كثيراً في الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. تحقق نيوزيلندا درجة تقدم اجتماعي مقدارها 87.08، تكاد تصل إلى درجة 88.36 التي تحققها النرويج، لكن الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيها هو نصف ما في النرويج: 32808 دولاراً مقابل 62448 دولاراً.

2

وإذا نظرتم إلى بطاقة أداء نيوزيلندا، فإنها أفضل قليلاً من النرويج من حيث الفرص- وخصوصاً من حيث الحقوق الشخصية- وأسوأ قليلاً من حيث السلامة الشخصية واستدامة النظام البيئي.

ما الذي يقود إليه هذا بالضبط؟ لعله عليك أن تسأل النيوزيلنديين. في الواقع، هذا أحد الأمور التي نأمل أن نجريها تالياً: تحديد ملامح القدوة بين البلدان، وتفكيك كيفية أدائها في الأمور التي تحسن فيها صنعاً.

الرسم البياني الثالث: غانا مقابل نيجيريا.. مقارنة كاشفة أخرى

يمكن للدول أيضاً أن تحظى بمستويات مختلفة من التقدم الاجتماعي حتى لو كانت تتمتّع بمستويات متماثلة من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. أداء غانا (58.29) أفضل من حيث التقدم الاجتماعي بالمقارنة مع نيجيريا (43.31)، على الرغم من أن ناتجها المحلي الإجمالي هو 3864 دولاراً، ويقل عن مثيله في نيجيريا والبالغ 5423 دولاراً.

3

ما الذي يحدث هنا؟ أداء غانا يفوق أداء نيجيريا تقريبا في جميع جوانب التقدم الاجتماعي، وبشكل خاص من حيث الحقوق الشخصية، وتوفير الوصول إلى المعلومات والاتصالات، على الرغم من وضعها الاقتصادي يمكن أن يكون أقوى بكثير مما هو عليه الآن. وفي الوقت نفسه، يتدنّى أداء نيجيريا. فهي لا تحول الموارد الاقتصادية بشكل فعال إلى ناتج محلي إجمالي. تحتاج نيجيريا إلى استراتيجية نمو شاملة للتأكد من أن ثروتها النفطية يستفيد منها الشعب بأكمله.

الرسم البياني الرابع: المفرطون في الأداء

تفرط بعض الدول في أدائها من حيث التقدم الاجتماعي المحرز نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد. كوستاريكا جعت أكثر نقاط فرط الأداء، وأظهرت قوة في جميع الأبعاد. الدرس الرئيسي هنا هو أن بناء التقدم الاجتماعي يتطلّب مثابرة. لطالما حظيت كوستاريكا بأنظمة قوية في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وتقاليد ديمقراطيّة مديدة. يقيس مؤشر التقدّم الاجتماعي المخرجات مثل متوسط ​​العمر المتوقع، ومعدل محو الأمية، لا المدخلات مثل القوانين التي صدرت أو الأموال التي تنفق. وبالتالي، لا يحتمل هذا المؤشر غشاً أو ترقيعات سريعة.

4

بالنسبة لبعض البلدان، قد يكون فرط الأداء في الواقع علامة على تدهور اقتصادي وليس تقدماً. يرتبط فرط الأداء بالناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، ويميل الناتج المحلي الإجمالي إلى الارتفاع والانخفاض بسرعة، في حين يتحرك مؤشر التقدّم الاجتماعي على نحو أبطأ. إذا انخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد انخفاضاً سريعاً في حين استغرق مؤشر التقدم مدة أطول في الانخفاض، فقد يبدو الأداء نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد وكأنه يتحسن. فرط أداء بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق يوضح هذه النقطة: مولدوفا وقرغيزستان وطاجيكستان لم يكن أداؤها الاقتصادي جيداً أبداً مدى 20-25 عاماً الماضية، ولكن المؤشرات الاجتماعية أفضل مما كان متوقعاً بسبب إرث الاستثمار في الخدمات الأساسية فيها، عندما كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي.

الرسم البياني الخامس: المقصرون

تبدي البلدان المتضررة من الصراع في كثير من الأحيان أداءاً مخيباً، كما هو الحال في الدول ذات الثروات الطبيعية. لكن ذلك هو حال دول صناعية كبرى في العالم، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا.

5

ببساطة، فالمجتمعات التي تستبعد الناس وتقصيهم أداؤها ضعيف من حيث التقدم الاجتماعي. وهذا من أسباب كون الولايات المتحدة في المرتبة 16. تحظى أمريكا بواحد من أفضل نظم الرعاية الصحية في العالم، لكن ليس للجميع. نرى الإقصاء عبر مجمل بطاقة نتائج الولايات المتحدة: قصور في الرعاية الصحية، نقص فرص التعليم، عدم الوصول إلى المعلومات، عدم الوصول إلى الأمان، بل وحتى عدم الحصول على مياه الأنابيب (بالمقارنة مع أقرانها من الدول الغنية).

وفي الوقت نفسه، تشترك فرنسا وإيطاليا بعامل مشترك مهم: كلاهما يبديان ضعفاً في الفرص، مع درجات منخفضة من حقوق الملكية الخاصة، وحرية الدين، والتسامح مع الأقليات. بالإضافة إلى ذلك، تظهر بطاقة نتائج إيطاليا مستويات مبالغ بها من الفساد، بينما تظهر في فرنسا مسألة التمييز ضد الأقليات. كلاهما أيضاً ضعيف نسبياً من حيث فرص الحصول على التعليم العالي.

ملاحظة أخيرة: يبدو أن الاقتصادات سريعة النمو مثل الصين مقصّرة في التقدم الاجتماعي. ذلك أن الثروة الجديدة لم تترجم بعد إلى نتائج اجتماعية أفضل: فالاستثمارات في التعليم والرعاية الصحية قد تستغرق وقتاً طويلا لتؤتي ثمارها، أو أنها لم تُوظّف بعد.

الرسم البياني السادس: أداء العالم

عملنا هذا العام على تحديد درجة التقدم الاجتماعي للعالم. أخذنا متوسطات جميع الدول مثقّلة حسب عدد سكّانها، وجمعناها بعضها إلى بعض. أعطانا هذا مستوى من التقدم الاجتماعي يبلغ 61 من 100. ما يعني أن الإنسان المتوسط يعيش بمستوى تقدم اجتماعي يتراوح بين كوبا وكازاخستان.

6

في الجوانب المتعلّقة بالتغذية والرعاية الطبية الأساسية والوصول إلى المعرفة الأساسية، سجّل العالم علامة عالية جداً بلغت 85 درجة. وتعدّ هذه الأمور محاور تركيز الأهداف الإنمائية للألفية، والتي أرى أنها مناطق يمكن للعالم أن يحرز فيها تقدماً. ومع النمو الاقتصادي والسياسات الصحيحة – بمساعدة المعونات الدولية أحياناً- أعتقد أن بمقدورنا جعل العالم يقترب من درجة 100 القصوى من حيث الاحتياجات الإنسانية الأساسية والحصول على المعارف الأساسية، وكذلك في مجال المياه والصرف الصحي (الذي يعاني من بعض التخلف حالياً ولكن يمكن أن يتحسن كثيراً). يجب تحسين الوصول إلى المعلومات والاتصالات تحسيناً كبيراً، نظراً لأن التكنولوجيا تخفض التكلفة وتزيد فرص الحصول على الهواتف المحمولة والإنترنت. ومن المرجّح أن يتحسّن أيضاً الحصول على التعليم العالي مع ازدياد ثراء الدول.

لكن ثمّة أسئلة كبيرة تتعلق بالسلامة الشخصية، والحقوق الشخصية، والحرية الشخصية، والتسامح، والاستيعاب. ويتعيّن على البلدان انتقاء خيارات أفضل لتحسينها. إذ اختارت بعض الدول كجزء من استراتيجيتها التنموية أن لا تضع الحقوق الشخصية في أولوياتها، بحجّة التركيز على النمو والحفاظ على السلطوية فيها. كما أن التسامح والاندماج منخفضان لأن البلدان على اختلاف مستويات الدخل فيها تناضل في سبيل هذه القضايا. إذا كان لنا أن نفكر في ما يحدث في العالم مع الدولة الإسلامية أو مع شارلي ايبدو أو مع المتطرفين البوذيين في ميانمار، فإنّ السؤال بشأن كيفية العيش معاً في مجتمعات التسامح والاندماج هو سؤال مهم حقاً. كثيراً ما ينظر إلى هذه المسألة على أنها قضية منفصلة، وليست جزءاً من ماهيّة التنمية.

ولكن الأكثر إثارة للقلق من ذلك كله هو الصحة والعافية واستدامة النظام البيئي، لأننا لا نلمس تحسناً فيها مع ارتفاع الثروة. فمع التصنيع، حتى وإن كنت تهتم قليلاً بالطبيعة، تبدأ باستهلاك المزيد من الموارد. ومن حيث الصحة، لا ننظر فحسب إلى متوسط ​​العمر المتوقع، بل نبحث أيضاً في أمور مثل معدل السمنة والوفيات الناجمة عن تلوث الهواء، ومعدلات الانتحار، وهي أمور لا تتحسّن مع ازدياد الثراء. ولن نشهد تحسناً في هذه الجوانب ما لم نفعل شيئاً مختلفاً. وقد حان وقت الإتيان بحلول جديدة.

%d مدونون معجبون بهذه: